ليس هذا بمقال في التحليل السياسي للوقائع والأحداث الجزئية التي تجرى في عالمنا العربي (فذلك أمر من اختصاص خبراء السياسة)، وإنما هو مجرد قراءة تأويلية لأوضاع العالم العربي في سياق مُجريات وسيناريوهات الحرب الجارية في الشرق الأوسط بين المعسكر الأمريكي الصهيوني وإيران.
والواقع أن الشرق الأوسط في مجمله يغلي على صفيح ساخن حتى قبل اندلاع هذه الحرب، وهذا يشمل المنطقة العربية التي لا تخلو من مواضع مشتعلة، وأخرى مليئة بالتوتر والصراع من المحيط إلى الخليج: فهناك توتر بين المغرب والجزائر، وانشقاق بين شرق ليبيا وغربها، وانقسام بين شمال السودان وجنوبه وصراع بين جيشه وقوات الدعم السريع؛ وصراع بين الحوثيين والحكومة الشرعية في اليمن، وبينهم وبين السعودية؛ وصراع بين حزب الله في لبنان وإسرائيل، وبين الشعب الفلسطيني المقاوم وإسرائيل (وهو الصراع الذي يجسد بؤرة الصراع العربي الإسرائيلي وأكثر نقاطه اشتعالًا).
كما أننا نشاهد نقاط التوتر والانقسامات داخل بعض دول المنطقة: كما هو الحال بين الحكومة العراقية وبين الفصائل الطائفية المسلحة، وبين الحكومة اللبنانية وحزب الله في لبنان (وهي فصائل تمثل- مع الحوثيين- أذرع إيران في المنطقة العربية).
ولا شك في أن هذه الحالة التي عليها المنطقة العربية هي الحالة المثالية المطلوبة بالنسبة للمعسكر الأمريكي الصهيوني؛ لأنها تجعل العالم العربي في حالة من الضعف والاهتراء تسمح باختراقه والهيمنة عليه، والتدخل في توجيه سياساته وشؤونه الداخلية لمصلحة الكيان الصهيوني الذي يسعى إلى التوسع والتغلغل في المنطقة من خلال الاحتلال والاستيطان، حتى إن استلزم ذلك استخدام القوة والإبادة.
ولقد اندلعت الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران لتشعل منطقة الشرق الأوسط وتمتد نيرانها إلى كل دول الخليج، وغيرها من بعض الدول العربية. ولم يكن هذا هو المراد من وراء ما يمكن تسميته بالسيناريو الأول للحرب.
كان الهدف من الحرب- ولا يزال- هو القضاء على إيران باعتبارها القوة الوحيدة في المنطقة المعادية بشكل علني لإسرائيل، والمناوئة للمشروع الصهيوني الذي يسعى إلى التمدد في المنطقة؛ وهي أيضًا القوة التي لديها مشروعها الخاص في الهيمنة على المنطقة، فضلًا عن كونها القوة الوحيدة في المنطقة التي لديها برنامج نووي وتسعى إلى امتلاك أسلحة نووية.
من أجل تحقيق هذا الهدف، رسم نتنياهو زعيم الكيان الصهيوني سيناريو الحرب وأوعز به إلى ترامب زعيم أمريكا، وهو السيناريو الأول الذي قام على أساس تقويض النظام الإيراني نفسه بتوجيه ضربة قوية أمريكية إسرائيلية لإيران تشمل تدمير منشآتها النووية والعسكرية والصناعية، واغتيال قادة النظام بدءا من المرشد الأعلى. تم تنفيذ هذا السيناريو على الأرض، ولكنه فشل في تحقيق هدفه؛ فلا النظام سقط، ولا المنشآت النووية تم تدميرها، ولا الشعب ثار على النظام كما كان متوقعًا.
وإزاء هذا الفشل الذي تورط فيه ترامب بعد أن جرب قصف إيران بأقوى الأسلحة، ولأن سيناريو الغزو البري تم العدول عنه نظرًا لأنه سيؤدي إلى مزيد من التورط فيما يُسمى الآن بالمستنقع الإيراني؛ لجأ ترامب إلى إشعال المنطقة بأسرها بالتعنت في الوصول إلى اتفاق بينه وبين النظام الإيراني، ونقض كل اتفاق ما لم يكن بمثابة عقد إذعان واستسلام، وهذا ما لا يمكن أن يوافق عليه النظام الإيراني.
لجأت إيران إزاء الضربات الأمريكية المتتالية إلى إغلاق مضيق هرمز، ولوحت باستخدام ورقة إغلاق مضيق باب المندب من خلال الحوثي. رد ترامب على ذلك بحصار الموانئ الإيرانية، فردت إيران بضرب منشآت الطاقة والقواعد الأمريكية في دول الخليج.
وهذا هو بالضبط السيناريو الثاني الذي لا يزال ساريًّا حتى الآن، والذي يستهدف إشعال المنطقة بحيث تتحول الحرب إلى حرب إقليمية تشارك- بل تتورط- فيها دول الخليج دفاعًا عن مصالحها الاقتصادية، وعن العدوان على أراضيها؛ وبذلك يتم استنزاف مقدراتها ومواردها في الحرب، ثم تحتاج إلى دعم مدفوع الأجر من الولايات المتحدة الأمريكية.
وكأن لسان حال أصحاب هذا السيناريو الأمريكي الصهيوني يقول: دعهم إذن يقتتلون، ويستنزفون بعضهم بعضًا؛ فذلك يصب في مصلحتنا في النهاية. ولكن هذا السيناريو قد فشل أيضًا؛ لأن قادة الدول الخليجية قد أدركوا هذا المخطط الذي لم يلجأ مطلقًا إلى إيقاف الحرب دفاعًا عن مصالحهم، وآثروا عدم التورط في الحرب حتى الآن، وهو موقف حصيف من الناحية السياسية.
الشاهد هنا أن السياسة الأمريكية تتبنى استراتيجية الهيمنة بالقوة، بما في ذلك العدوان والحروب التي تشعلها في كل مكان؛ ولقد عبر عن ذلك ترامب صراحةً حينما أمر بتغيير اسم وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب.
والواقع أن هذه السياسة تكاد تكون متأصلة أو متوارثة في طبيعة الغرب، بما في ذلك الغرب الأوروبي الذي يمارس في معظمه هذه السياسة على استحياء وبشكل غير مباشر، وهذا ما نشاهده- على سبيل المثال- في الحرب على روسيا بالإنابة، أعني من خلال دعم أوكرانيا بالسلاح لسنوات عديدة أرهقت واستنزفت موارد الدول الأوروبية.
وإذن، فإن المشكلة هنا تكمن في أن الغرب بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية لا يزال غير قادر على الاعتراف بأن سياسات الهيمنة من خلال الحرب والعدوان هي سياسات إمبريالية قديمة، وبأنه لم يعد ممكنًا الحديث عن قوة واحدة مهيمنة؛ ببساطة لأن هناك قوى عالمية جديدة متحققة على الأرض.
وربما يستدعي هذا في المستقبل القريب تغييرًا في الاستراتيجية التي تحكم السياسة الأمريكية ذاتها: فمن المعروف أن هذا الاستراتيجية توضع كل عشر سنوات، وتكون مُلزمة للرئيس بعد اعتمادها من الكونجرس بغرفتيه.
السؤال الآن: ما موقف الأمة العربية (أو مواقف الدول العربية) من الأوضاع التي هي عليها، ومن هذه الأحداث الجسام؟ أفلا يستدعي ذلك أيضًا تغييرًا استراتيجيًّا في السياسات العربية؟ أظن أن الفرصة سانحة الآن لمراجعة الذات واستشراف حضورها الفاعل في المستقبل.
مقال الدكتور سعيد توفيق المنشور بجريدة عُمان بتاريخ 4 أغسطس 2026


لا تعليق