قال الدكتور سعيد توفيق، أستاذ علم الجمال بجامعة القاهرة، إن الجدل الذي دار مؤخرًا حول جوائز الدولة الأخيرة لا ينبغي اختزاله في واقعة بعينها أو في أحقية الأشخاص الذين ارتبطت أسماؤهم بالترشيحات، إنما ينبغي النظر في آلية منح هذه الجوائز نفسها.
وأضاف، خلال ندوة “جوائز الدولة: الواقع والمأمول”، التي عُقِدَت بنقابة الصحفيين، إن الجدل الذي دار حول عدم أحقية شخصية رشحتها مكتبة الإسكندرية، ونالت جائزة التفوق، هو جدال أخذ أكثر مما يستحق، لأنه لم ينشغل بما هنالك من عوار في آلية منح الجوائز، إذ امتد الجدال والنقد حتى نال من شخص الدكتور أحمد زايد مدير المكتبة، وهو أستاذ مشهود له بالمكانة العلمية الرفيعة والموضوعية والنزاهة في سائر مواقفه.

وتابع: “ربما يكون هناك نقص أو عوار في تشكيل لجنة الترشيح أو في الإجراءات المتبعة أو آلية التصويت، ولكننا لا ينبغي أن نغفل عن أن هناك لجنة أخرى متخصصة بالمجلس الأعلى للثقافة تكون مهمتها هي النظر فيما يأتيها من ترشيحات بحسب التخصص النوعي لفرع الجائزة، بحيث تقوم بتقييم العمل والمنجز الثقافي للمرشح وفقًا لآلية منضبطة، وهذا هو مناط الأمر هنا”.
وأشار توفيق خلال الندوة، إلى أنه لم يشارك في تحقيق صحفي بعنوان “تطوير جوائز الدولة”؛ لأنه يرى أن جوائز الدولة لا تحتاج إلى تطوير بل إلى تفعيل! إذ توجد بالفعل آلية منضبطة تتمثل في لائحة جوائز الدولة التي عكف على صياغتها طيلة عام كامل بعون من كبار الأساتذة إلى أن تم إقرارها من أعضاء المجلس الأعلى للثقافة، وتم العمل بها في الفترة التي تولى فيها أمانة المجلس.
وهي لائحة تقيس مستوى إسهام المرشح وفقًا لمعايير دقيقة تختلف بحسب مستوى الجائزة، وبحسب فرع الجائزة: فما يقاس في حالة جائزة الدولة التقديرية يختلف عما يُقاس في جائزة النيل على سبيل المثال؛ إذ إن المعايير في هذه الحالة الأخيرة تكون أقل عددًا “وأهمها: المدرسة العلمية أو الفكرية أو الفنية للمرشح”، كما أن المعايير تختلف بحسب الطبيعة النوعية لفرع الجائزة؛ إذ إن ما يقاس في مجال العلوم الاجتماعية يختلف عما يُقاس في فرع الفنون، وهكذا.
كما أن اللائحة تضع معايير دقيقة لتشكيل لجان الفحص، منها أن كل لجنة ينبغي أن تتألف من خمسة عشر عضوًا على الأقل، بحيث يقوم ثلاثة من الأعضاء ممن لهم باع في التخصص النوعي داخل فرع الجائزة، فيمنحون الدرجات المحددة لكل عنصر من عناصر القياس مشفوعةً بالمبررات، لكي تُعرض على اللجنة الموسعة لفرع الجائزة التي تقوم بالنظر فيها وتحديد قائمة قصيرة تضم ضعف العدد المقرر لكل جائزة.
كما أن تشكيل اللجنة ينبغي أن يضم أساتذة من الحاصلين على جائزتي النيل والتقديرية. وكان الهدف هو تخفيف العبء على أعضاء المجلس الأعلى للثقافة في عملية منح الجائزة.
وأكد توفيق أن تطبيق هذه اللائحة في الفترة التي تولى فيها أمانة المجلس، هو ما أدى إلى أن الفائزين بالجوائز كانوا من الكبار المستحقين لها عن جدارة، ومنهم على سبيل المثال: أحمد عبد المعطي حجازي، ومحمد سلماوي، وسيد حجاب، وجلال أمين، وإبراهيم أصلان، وداود عبدالسيد، ومحسنة توفيق “في جوائز النيل والتقديرية”، وهالة البدري “في جائزة التفوق” وأمثالهم كثير، ولذلك لم يكن هناك أي اعتراضات أو جدال في الصحف عن جوائز الدولة.
كما أكد توفيق أنه بعد استقالته، لاحظ من خلال مشاركته في لجنة تحكيم في فرع العلوم الاجتماعية أن هذه اللائحة تم إهدارها: فأعضاء اللجنة كانوا خمسة أو ستة، وحينما سأل عن استمارات اللائحة لم يجبه أحد، ولم يجد سوى ورقة هزيلة لا علاقة لها بمعايير القياس الدقيق! وهذا ما دفعه إلى لقاء كل وزراء الثقافة طيلة السنوات السابقة،ليعرض عليهم تلك اللائحة المهدرة، ولكنه اكتشف أنه لا أحد يدري بها، بل لم يتخذ أحد منهم أي إجراء لتفعليها! وهو ما يدعو للحسرة والأسى على حال مؤسساتنا التي تهدر جهود السابقين ولا تحاول البناء عليها.
وفي تعقيبه على المداخلات في الندوة، أكد توفيق بعض الملاحظات المهمة، ومنها: أن اختيار الأعضاء لا ينبغي أن يكون بالانتخاب وفقًا لجمعية عمومية “كما قيل”؛ لأن المجلس الأعلى للثقافة هو مؤسسة من مؤسسات الدولة التابعة لوزارة الثقافة وليس نقابة من النقابات.
ومنها أن لجان التحكيم ينبغي أن تكون سرية وليست معلنة بهدف الشفافية كما قيل؛ وهذا أمر متعارف عليه في معظم الجوائز العلمية والفكرية وغيرها، فما ينبغي أن يكون معلنًا هو المعايير والشروط المتضمنة في اللائحة ذاتها، والتي وفقًا لها يمكن للمرشح أن يتعرف على أهليته وجدارته للترشح للجائزة، والتي وفقًا لها أيضًا يمكن محاسبة اللجنة نفسها حينما تخالف تلك الشروط.


لا تعليق