ريم بسيونى تستحضر التاريخ المنسى لعباس حلمى الثانى فى «كوم النور»

الدكتور سعيد توفيق أستاذ علم الجمال

الدكتور سعيد توفيق أستاذ علم الجمال


ريم بسيونى روائية متميزة، يغلب على إنتاجها الإبداعى التخصص فى مجال الرواية التاريخية، ولديها مشروعها الخاص فى إحياء تاريخ الوطن المنسى من خلال فن الرواية التاريخية. وقد يتساءل البعض: وما الحاجة إلى الرواية حينما تتناول موضوعًا تاريخيًّا يمكن التعرف عليه من خلال الكتابات التاريخية نفسها؟!

دكتور سعيد توفيق
دكتور سعيد توفيق يكتب عن رواية ريم بسيوني

ولكن هذا التساؤل غافل عن الفرق الجوهرى بين السرد التاريخى والسرد الروائى للوقائع التاريخية: فالسرد التاريخى يكون منشغلًا بتحرى الوقائع التاريخية نفسها، بينما فن الرواية التاريخية لا ينشغل بسرد الوقائع والأحداث التاريخية موثقةً، وإنما ينشغل بتجسيد روح هذه الوقائع والأحداث كما تتجلى من خلال تفاصيل عديدة.

وبذلك يمكن القول إن الرواية التاريخية تقدم لنا رؤية فلسفية تأويلية لوقائع التاريخ، من خلال ملء التجاويف الكائنة بين الوقائع التاريخية الجافة، ورسم الشخصيات الرئيسة المؤثرة فى بناء الأحداث التى شكلت مسار التاريخ نفسه؛ ولذلك فإن الروائى هنا ينتقى من الأحداث ما يخدم بناء روايته ورؤيته التأويلية، ويضيف إليها مواقفَ تخيلية تملأ التجاويف التاريخية فيها، وتضفى عليها طابعًا أو روحًا مشخصة تعبر عن نفسها فى المشاعر والعواطف وطبائع الشخصيات المصورة فى الرواية.

هذا هو توجه ريم بسيونى فى فن الرواية، وهو ما تفعله فى روايتها التاريخية الأخيرة بعنوان «كوم النور: عباس حلمى الثانى». تصور الرواية حقبة مهمة من تاريخ مصر الحديث، من خلال تجسيد الشخصية الرئيسة فيها، وهو الخديو عباس حلمى الثانى: فالحقيقة أن كل التفاصيل التى لا حصر لها فى الرواية لا تجسد فحسب الأحداث التاريخية التى جرت فى هذه الحقبة، خاصةً فى فترة حكم الخديو عباس (١٨٩٢-١٩١٤)، وإنما تجسد أيضًا موقفه من هذه الأحداث، وهو الموقف الذى يجسد معنى الوطنية وحب مصر والتضحية من أجلها، على نحو يجعل منه بطلًا ورمزًا.

مقال دكتور سعيد توفيق بالمصري اليوم
مقال دكتور سعيد توفيق بالمصري اليوم عن رواية ريم بسيوني كوم النور

والحقيقة أن هذه التفاصيل تكون أساسية دائما فى بناء شخصيات العمل مثلما تكون مهمة فى الحياة ذاتها؛ ولهذا كانت السيدة أمينة أم عباس تنصحه عند بداية تولى الحكم بقولها: «التفاصيل الصغيرة مهمة، لا بد أن تعتنى بها، الحياة كلها تفاصيل صغيرة» (ص ٩). وهذا العمل حافل بتفاصيل لا حصر لها من الأحداث والشخصيات، وإن كنت أرى أن هناك تفاصيل عديدة لم تكن ضرورية فى تشكيل نسيج هذا العمل وفى خدمة الموضوع الرئيسى فيه. ومع ذلك، فإننا لا نملك سوى الإعجاب ببراعة ريم بسيونى فى السيطرة على كل تلك التفاصيل وإحكام بنائها منذ بداية العمل إلى آخره، عبر قرابة ستمائة صفحة.

كوم النور
غلاف رواية كوم النور

ونحن نتعرف على أحلام عباس حلمى الثانى منذ فترة إعداده فى أوروبا لكى يتولى حكم مصر، وقد نال آنذاك لقب «خديو» (الذى لم ينله سوى أبيه توفيق وجده إسماعيل) بعد عودته من فيينا حينما بلغ بالكاد سن الرشد، وكان استقباله بالإسكندرية مهيبًا.

والحقيقة أن ريم بسيونى قد صورت لنا ملامح هذه الشخصية من نواحٍ عديدة، ومنها على سبيل المثال: وسامته وجاذبيته العاطفية، وهذا ما تبدى فى علاقته العاطفية بالكونتيسة الفرنسية التى دامت طويلًا، وإن كانت علاقته المتأخرة بأندريه لوزانج الموظفة المكروهة فى حاشيته هى الأقرب إلى روحه، لأنها كانت أكثر الناس إخلاصًا له.

ولكن أهم ملامح هذه الشخصية قد تمثلت فى الروح الوطنية وحب مصر والإخلاص لها والعمل على استقلالها والنهوض بها؛ ونحن نتعرف على ذلك فى الرواية، لا فحسب من خلال المظاهر العديدة لحب الشعب له فى مناسبات عديدة، وإنما أيضًا من خلال التقارير التى كان يكتبها عنه المعتمد البريطانى اللورد كرومر، ومن خلال الحوارات العديدة بينهما.

وقد وصف كرومر عباس فى بعض هذه التقارير بأنه مصرى جدًا وثائر ومتمرد، يسعى إلى إنشاء جامعة، وهو يظن نفسه مصريًّا مثل هؤلاء الفلاحين المصريين، رغم أن عائلة محمد على ليست مصرية (ص ٣٧٦ و٣٧٧).

ولا شك فى أن الروائية قد رجعت إلى وثائق تاريخية نادرة كما ذكرَت فى ملحق روايتها، ولكن صياغة الحوار قد تشكل من خلال خيالها بحيث ينضاف إلى الوثائق التاريخية فى تجسيد الروح الوطنية لشخصية الخديو. وتصور لنا ريم بسيونى هذه الروح الوطنية باعتبارها متأصلة فى طبيعة شخصيته؛ ولهذا فإن «السلطان عبد الحميد لم يكن يحب عباس… كأن خديو مصر يُذكِّره كل يوم أن جده محمد على كان على وشك أن يحتل الأستانة، وأن مصر مستقلة عن دولته شاء أم أبى» (ص ١١١).

كما أن مشروعاته الوطنية لا حدود لها، فقد دعم النخب من الكُتَّاب والقوى الوطنية التى أشعلت ثورة ١٩١٩، وقد أنشأ جمعية مودة السرية التى تهدف إلى مقاومة الاحتلال، وجريدة المؤيد، وسد أسوان، وترام الإسكندرية، والجامعة المصرية التى أرادها جامعة مستقلة عن الساسة وعن الخديو نفسه! وهى الجامعة التى نسبها الملك فؤاد إلى نفسه والذى كان يكره عباس ويخشى عودته من منفاه، إذ كان الناس يرددون الهتاف الشهير: «الله حى، عباس جاى» وهو الهتاف الذى تذكرنا به ريم بسيونى وتوظفه فى مواضع عديدة (والذى أذكر أننى شخصيًا كنت أردده مع أصحابى فى مرحلة الطفولة حينما نتفاءل بحدوث شىء ما).

لكن الأهم من ذلك كله هو البراعة الفنية التى صورت بها ريم بسيونى شخصية بطل الرواية عباس حلمى الثانى، فضلًا عن الشخصيات الأخرى فى العمل. وقد تبدت تلك البراعة فى عملية التخييل الفنى التى أضفت على الأحداث والشخصيات والحوارات حضورًا حيًّا يجعلنا نبدو كما لو كنا نعايشه. كما أن كل ذلك قد جاء من خلال لغة بليغة قادرة على التصوير والتخييل.

وفى مواضع متفرقة من الرواية نتعرف على رمزية «كوم النور» الذى يتجمع فيه نور الشمس فوق التل مرة كل عام، ويعتقد أهل القرية أنه مدفن للقدماء وكنوزهم وأنه مَعبَر للنجاة والخلود؛ ولذلك كان الخديو عباس يحن إلى زيارته والاجتماع بأهله من القرويين البسطاء؛ فمن يسطع النور فى عينيه يمتد ملكه ولا يزول أبدًا، كما تقول الأسطورة. ولقد رحل الخديو ولم تزل سيرته حية كنموذج لما ينبغى أن يكون عليه الحُكم أو المُلك؛ وتلك هى الدلالة التى جسدتها الرواية بشكل حى، وكأننا نعيش روح هذا العصر.

 

أستاذ علم الجمال والفلسفة المعاصرة بكلية الآداب جامعة القاهرة

مقال الدكتور سعيد توفيق  المنشور اليوم بجريدة المصري اليوم عن رواية “كوم النور” للأديبة المبدعة ريم بسيوني.

الأربعاء 2026-08-05 08:15

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *