فينومينولوجيا الحكي بين العابر والمقيم قراءة في خاطرات سعيد توفيق

كتاب الخاطرات للدكتور سعيد توفيق

كتاب الخاطرات للدكتور سعيد توفيق


بدر الدين مصطفى

عبر مسار أكاديمي ممتد لسنوات طويلة وحافل بعشرات الكتب والمقالات، يأتي كتاب الخاطرات (2019) للمفكر والناقد المصري سعيد توفيق محملًا بدلالات تستدعي التأمل والتدبر حولها؛ كونها تقدم توثيقًا فلسفيًا أدبيًا لحياة مفعمة بالتجارب الحية والخبرات الشعورية المتدفقة. ويمكن القول أن الفينومينولوجيا لم تظهر بصورة مكتملة وكتجربة معاشة عند توفيق إلا في هذا الكتاب، إذ يبدو الكتاب كأنه يعبر عن اكتمال اللحظة الفينومينولوجية لديه. في هذا الكتاب نجد مزجًا فريدًا بين الفينومينولوجيا- ليس كمنهج له قواعده الصارمة كما ظهر في أعمال توفيق الأخرى، بل كتجربة معاشة.

ولعل أول انطباع يخرج به القارئ المعني بتقييم العمل والكشف عن دلالاته، أن ثمة صعوبة أولية في تصنيفه، فربما يكون التداخل بين الشكل الأدبي للكتابة والشكل الفلسفي له تاريخ طويل ممتد منذ الفلسفة السابقة على سقراط، عندما كان الفلاسفة يعبرون عن أفكارهم في قالب فكري، وحتى سارتر وكامو في الفلسفة المعاصرة. بل إن العلاقة بين الفلسفة والأدب جعلت بعض الفلاسفة كريتشارد رورتي ينظر إلى الفلسفة على أنها “جنس أدبي”.

وكتابة السيرة الذاتية ربما تقدم الفرصة بالفعل لإمكانية استخدام التقنيتين الأدبية والفلسفية داخل فعل السرد ذاته. وقد كشفت عبارات توفيق وعيًا بتلك المسألة وانشغالًا بتصنيف العمل والتنظير لفعل الكتابة وكأنه يمارس التفلسف على فعل الكتابة الذي يقوم به ليطلق عليه في مقدمة الخاطرات التاليات “التفلسف بلغة الحكي”.

في الواقع إذا شئنا أن نضع اعتبار لمنهجية الحكي لقلنا أنه حكي فينومينولوجي بكل ما يتضمنه مفهوم الحكي من تقنيات أدبية والفينومينولوجيا من أدوات منهجية.
لذا فتقنيات السرد متوفرة داخل العمل “الوصف، الأشخاص، الزمان، المكان، الحبكة” كما أن أشكال السرد موجودة أيضا “التراجيدي، المحاكاة الساخرة، الشجن الذي يغلف العمل منذ البداية حتى النهاية”. وربما يكون من الدقة أيضًا القول بأن العمل في مجملة ممارسة لفعل الحكي والسرد لتجارب معاشة من خلال فعل التأمل الانعكاسي، وهو ما يذكره توفيق في أكثر من موضع (ص 215 على سبيل المثال).

وهناك التماهي بين الذات والموضوع في فعل السرد، الانصات إلى الأشياء والتحدث من موقعها- انطلاقًا من هايدجر وفلسفة ميرلوبونتي المتأخرة- ويبلغ هذا التماهي ذروته في وصف العلاقة بين توفيق وبعض مفردات عالمه كالبحر والطبيعة والروائح والحيوانات. وتلك صفة حاضرة دومًا في التجارب الفنية والشاعرية العميقة، ولنقرأ مقولة سيزان التي يقول فيها “يفكر المنظر الخلوي من خلالي وأنا عقله الواعي” لندرك عمق هذه التجربة وأثرها على النفس.

هناك في العمل صور متجاورة لعوالم متباينة ولأنماط مختلفة. أشبه بطريقة المونتاج الديالكتيكي في السينما الذي اعتمده أيزنشتين كوسيلة لخلق المعنى من خلال التضاد والتقابل بين المشاهد. والواقع أن طريقة السرد في الخاطرات تعتمد بصورة رئيسة على خلق المشهد والصورة من أجل خلق المعنى، أكثر من اعتمادها على اللغة والكلمات، رغم نصاعة تلك الأخيرة أيضًا.

غير أنه ولئن كان هذا العمل يشق أسلوبًا مبتكرًا في السرد داخل فضاء الكتابة على اتساعه، إلا أنه يضع قارئه/ ناقده في حيرة كبيرة من حيث منهجية معالجته. فلا المرء بقادر على أن يتخذ منه موقفًا نقديًا عقليًا خالصًا لأنه ليس بالقول العقلاني (أي ليس بالبناء المنطقي الجاف)، ولا المرء بقادر على التعامل معه كعمل أدبي خالص فيخضعه لتقنيات صناعته.

والحال أن هذا العمل لا يمكن استقباله إلا على مستوى الشعور والوجدان أولًا ثم لنفكر بعد ذلك في دلالته ومضامينه.
ومع ذلك ليست الفينومينولوجيا بالصوت الوحيد داخل العمل فهناك أصوات أخرى ينطق العمل بها (أفلاطون، باشكلار، هايدجر، جامر، سارتر، ميرلوبونتي، برجسون). لكن الغلبة للصوت الفينومينولوجي وهذا متوقع بطبيعة الحال.
كما نجد أصوات أخرى احتلت موقعها في وجدان المؤلف وبالتأكيد حضور الاسماء وتكرارها دليل على موقعها بالنسبة للمؤلف (حسن طلب، أحمد عبد المعطي حجازي، الغيطاني، محمود رجب، صلاح قنصوة، شاكر عبد الحميد، مصطفى لبيب).

يتبع العمل ترتيبًا زمنيًا واضحًا من الطفولة وحتى “ماذا سيتبقى مني؟” وفي هذه الرحلة الطويلة يرسم توفيق بورتريهات مختلفة ويصف عوالم متباينة بعضها يتقاطع والآخر يتناقض لكن لن يتواصل معها في النهاية إلا من يصصفهم توفيق في مجمل خاطراته بـ”أصحاب الوجود الحقيقي”. وعليه، إذا كانت الخاطرات تحدث تميزًا رئيسًا بين الوجود الزائف والحقيقي، فإن هذا التمييز ينتقل من عالمها الجواني إلى تمييز واقعي بين مستقبليها، لهذا ربما يسخر منها الزائفون أو يعتبرونها ضربًا من الرومانسية التي مضى عليها الزمن؛ كما ذكر استشعر توفيق ذلك في نهاية عمله.

في الواقع ومثل بطل رواية بروست البحث عن الزمن المفقود، المتعطش لا ستعادة زمنه الضائع، يحكي توفيق قصته عن الزمن والحنين، والفقد والاستعادة، والأنا والآخر. إنها أشبه بسفر إلى زمن مستعاد عبر فعل التأمل الانعكاسي (ص 283، 291، 296). وربما إذا شئنا أن نضع عنوانًا آخر للخاطرات لقلنا أنها كتابة عن “العابر والمقيم” و”الزائف والحقيقي” و”المادي والروحي” و”الزائل والخالد”؛ صور خالدة وأخرى عابرة، أشخاص مضيئون من الداخل وأولئلك المظلمون المنطفئون حتى لو كانوا يلمعون من الخارج.

لقد قال بودلير ذات مرة في عمله الخالد رسام الحياة الحديثة “إن الحداثة هي العابر والمؤقت وسريع الزوال، إنها نصف الفن. أما النصف الآخر فهو الأبدي والخالد؛ استخلاص المعنى والتقاط جوهر الأشياء مما هو عابر”. هذا الجدل بين العابر والمقيم هو التيمة الرئيسة للخاطرات على امتداد فصولها وصفحاتها.

والفرق بين الفيلسوف وغيره من المثقفين، أو حتى المفكرين، هو ذاته الفرق بين كبار الفنانين وتلاميذهم. وهو فرق يمكن تحديد جوهره في أن الفيلسوف، وكذا الفنان، هو ذلك القادر على اكتشاف علاقات القرابة بين الأشياء؛ تلك العلاقات التي لا ترى بالعين المجردة والتي لا يلحظها الإنسان العادي. ذلك هو المقيم والخالد الذي حدثنا عنه بودلير في نصه والتقطته الخاطرات عبر صفحاتها.

في الخاطرات نجد ذلك الثابت الذي يجمع بين الأمكنة والأزمنة والمواقف والوجود، ويضفر كل هذا معًا بلغة ساحرة لا تقف على حدود التعبير اللفظي بل تستدعي المشهد في تمام وجوده وبكافة تفاصيلة بطريقة تضاهي الأعمال الأدبية الخالدة. تلتقط الخاطرات الجوهر المشترك بين (الطبيعة، والبيت، والبحر…..) كما تلتقط الجوهر الثابت بين (أدعياء العلم، والمنافقون، ومثقفو السلطة، والشعارير……). كا تلتط المشترك بين الفنون (الموسيقى، والشعر، والسينما).

وإذا كان العمل مغلف من أوله إلى آخره بمسحة رومانسية واضحة فمرة أخرى يطل علينا بودلير بعبارته “إن الرومانسية هي التعبير عن الحياة الداخلية الحميمية، والروحانية، والحلم بالأفاق اللانهائية”. وبهذا المعنى ليس ثمة فن بلا نفحة رومانسية. الومانسية هي جوهر الفن بل وحتى جوهر الحياة والوجود”. كلنا رومانسيون بشكل أو آخر وهكذا ينبغي أن يكون لوجود الحقيقي.

كان بورخيس يرى الذاكرة مثل مرآة معتمة أو كشظايا مرآة محطمة؛ توحي ولا تصرح. بينما هي بالنسبة لي في الواقع مثل شقوق في حائط، كل شق هو ألم أصابك وفعل حُفر بداخلك، ومهما فعلت لتداريه سيظل موجودًا. يستحضر عمل توفيق تلك الآلام العميقة؛ الآم الفقد والغياب (الأم- الأب- الجدة- الأصدقاء- الكلب)؛ الآم النسيان والضياع (ماذا سيتبقى مني؟ وما الذي سيبقى مني؟)؛ الآم الواقع الممتزجة بالآم الماضي، والآم الحلم والأمل في واقع بديل.

يقول بروست في البحث عن الزمن المفقود “إن موت المرء ليس أمرًا استثنائيًا، إنه أمر يحدث رغمًا عنا كل يوم”. لهذا لم يكن الموت في ذاته مؤرقًا لتوفيق، بل كانت أشد مخاوفه “ضياع حكايته” وسط حكايات آلاف البشر؛ ضياع الأثر. لهذا أراد كما يقول في نهاية العمل أن “يضع بصمة أو يصنع خدشًا صغيرًا في جدار الوجود الذي يقاوم الزمن”؛ وقد كان ما أراده.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *