سامح الطنطاوى
يعد المفكر والاستاذ الدكتور سعيد توفيق واحدا من أبرز المفكرين المصريين, له سيرة علمية ثرية تجمع ما بين البحث الأكاديمى وأنشطة أخرى, قدم العديد من الدراسات الفلسفية لفهم المشكلات الثقافية فى الفن والدين والأخلاق والعلم, ففى أعماله نجد توضيحًا للتجربة الجمالية والحياتية من منظور فينومينولوجى بكل تنوعها وتعقدها وعالميتها, هذه التجربة ليست قائمة بذاتها, لأنها فى الواقع تتضمن تطوير وجهة نظر جمالية نقدية, تقوم على التحليل النقدى للمفاهيم الفلسفية فى مجال الجماليات, ولأنه يعتبر أن علم الجمال هو الجانب الأكثر حيوية فى المجتمع الإنسانى, فقد قام تدريجيا بتطوير وجهة نظر تعتمد على بناء فلسفة جديدة للفن وعلم الجمال الفلسفى, وعن الخبرة الجمالية وحياة الفن, وعن علم الجمال الموسيقى.
الخاطرات عنوان ممتع بالفعل كما أكد الشاعر القدير أحمد عبد المعطى حجازى فى مقاله بالاهرام ويشرح لنا الدكتور سعيد توفيق هذه التسمية بداية من العبارة التى وضعها تحت عنوان الكتاب وعرفه بها فقال “الخاطرات سيرة ذاتية فلسفية ” ثم أضاف إلى هذه العبارة عبارة أخرى يقول فيها إن كتابه “تأملات فى ظاهرات الحياة والوجود والفن”, ذكريات وأحداث ومواقف يستعيدها ويتأملها ويحدثنا فيها عن نفسه وعن العالم كما يراه أو كما يبدو له(1).
يتحدث سعيد توفيق عن تجارب حية يتأملها ويحولها إلى نصوص فلسفية, وتبدو كل خاطرة مستقلة متميزة عن الأخرى, والخاطرات كما وصفها مؤلفها تجربة فى الكتابة لا نجدها إلا عند المهتمين بقضايا الحياة من المفكرين والفلاسفة أمثال نيتشه, وبرتراند رسل, وجان بول سارتر, وميرلوبونتى, وباشلار وغيرهم, لغة تجمع بين لغتين لا تجتمعان كثيرا, لغة السيرة الذاتية من ناحية, ولغة الفلسفة من ناحية أخرى, لغة السيرة تحتفل بما هو شخصى وما هو يومى بالحوادث والأسماء والأماكن والأوقات والملامح والتفاصيل, ولغة الفلسفة تحتفل بالنظريات والمصطلحات والقضايا المنطقية. هاتان اللغتان اجتمعتا فى خاطرات سعيد سعيد توفيق على نحو فريد .
وبنظرة سريعة فى فهرس الكتاب نرى كيف جمع الكاتب بين هذين الطرفين أحلام الطفولة المطوية, وذاكرة الليالى, والوجود الزائف, وجلال الموت, والحنين إلى المكان, والوجه باب الروح, وحقيقة الشخص, وأوهام الحياة, وزهرة من زهور الوجود, والعابر والمقيم, وما الذى يبقى منا.. إلى آخره.
وما يتفكره ويتمثله مما رآه وعرفه فى رحلاته وأسفاره وأسماء البلاد والمدن والشوراع والشواطىء والقرى والجزر ورائحة البحر والحقل والبيت والشتاء والصيف , أبناء الوطن والأجانب, الكتاب والشعراء والمطربين والممثلين المشهورين منهم والمغمورين, والفلاسفة شوبنهاور, وهيجل, وسارتر, وميرلوبونتى, وأفلاطون وأرسطو وكانط, اقتباسات من كبار الشعراء والفلاسفة, ومن كلمات الأغانى والأمثال السائرة, وهو المؤلف.
فى هذا الذى يصنعه يشعر بانتمائه للآخرين وإنتماء الآخرين له يشعر بإنسانيته التى تدفعه حينا للبحث عن نفسه وحينا للبحث عن غيره, تجعله محتاجًا أحيانا للعزلة أوللخلوة, ومحتاجًا أيضًا للأصدقاء, وهما فى الحقيقة حاجة واحدة, فالأخرون شرط لوجود الكائن الإنسانى الذى يعيش مع غيره فوجوده متصل ومشروط بوجودهم لكنه يحتاج فى الوقت ذاته لأن يعيش مع نفسه ولأنه يحب ذاته لا بالمعنى السلبى وهو الأنانية وإنما بالمعنى الإيجابى وهو ثقة الإنسان فى نفسه وفى قدرته على ممارسة الحياة واحتلال مكانة فيها(2).
الصداقة إذن حاجة إنسانية حيوية والعزلة حاجة إنسانية فى المقابل, والذين يحبون أنفسهم بالمعنى الإيجابى يحبون غيرهم, لأن الوجود الإنسانى لا يتحقق بالانقطاع بل بالاتصال ويتكامل به, يقول سعيد توفيق “رغم أهمية حياة العزلة بالنسبة للموجود البشرى الأصيل, فإن هذا الموجود لا يمكن أن يحيا أيضًا بدون الأصدقاء… لا أقول بدون الآخرين, وإنما هم جزء أساسىُّ من الوجود الحميم.
فما الوجود الحميم؟ إنه الوجود الذى نشعر فيه بالألفه… نشعر أنه يتخللنا ويمتزج بكياننا كما لو كان جزءًا منَّا, أو كما لو كُنَّا جزءًا من عالمنا؛ لأنه يشاركنا فى جزء من رؤيتنا لهذا العالم, واهتمامنا أو همنا به. حينما لا تجد من يفهمك أو يستوعب ما يشغلك ويؤرقك, يبقى هنا الصديق الذى يستطيع أن يفهم ذلك وينصت إليه كما لو كان يمثل همه الخاص. الصديق الحق هو الوجود المهموم بهمك؛ ومن ثم فإنه يكون أقرب الناس إليك… إلى عالمك الأليف أو الأثير”(3).
يحتل الآخرون كما أكد الشاعر الكبير أحمد عبد المعطى حجازى مكانا واسعًا فى خاطرات سعيد توفيق الذى يتحدث عن أصدقائه كما يتحدث عن نفسه, ولا ينسى حتى كلبه الذى يكتب عنه تحت عنوان “كلبى الحبيب” فيذكر شجرة نسبه ويشير لفصيلته ويشيد بوفائه ونبله وشجاعته وكبريائه(4), يقول الدكتور سعيد توفيق “وحينما يشرف الكلب الأصيل على الموت فإنه يموت فى نبل جليل, فلا يتألم من موته بقدرما يتألم من فراق صاحبه هذا ما عرفته فى أول عهدى بتربية الكلاب من هذا النوع المخصوص. كان فى بداية عهد الطفولة حينما أتيت به إلى بيتى , ولكنه سرعان ما ألف المكان وتعلق بى تعلقا شديدًا. ولكن مرضا عضالًا طارئًا هاجمه رغم عنايتى به. عرفت آنذاك أن هذا المرض لا تنجو منه الكلاب الأصيلة, عرفت أنه سيموت.
كنت أراه يتألم من وطأة المرض الذى يزداد تأثيره يومًا بعد يوم, حتى بات لا يقوى على الحراك, وبتُ لا أقوى على النظر إليه. فهو لا يقوى على أن يحرك ساكنًا, ومع ذلك يرفع عينيه شاخصًا إلىَّ فى أسى وانكسار وكأنه يعتذر عن موته.
فى الليلة الأخيرة التى عرفت فيها أنه يموت, انزويت بعيدًا, وانزوى هو فى ركن بعيد خارج البيت, فلم يصدر عنه صوت لساعات طويلة من الليل, إلى أن أطلق عواءَيْن هَمَدَ بعدهما صوته إلى الأبد.. كان العواء فريدًا غريبًا لم أسمع مثله من قبل, فيه من الحزن العميق ما لا يعرف البشر التعبير عنه بأصواتهم, وكأنه كان ينبهنى إلى لحظة الفراق من خلال التعبير عن الحزن العميق المكثف فى صوته. قررت أن أدفنه بحديقة بيتى كى يكون قريبًا منى. وعمدت فيما بعد أن آتى بمثل هذا الفصيل من الكلب النبيل إلى بيتى”(5).
والاستاذ الدكتور سعيد توفيق لا يتردد فى الحديث بصراحة عما يقبله ويرفضه فى الأشياء والأشخاص, يكره الأشرار والأدعياء والمنافقين ويندد بهم ويسخر منهم دون أن يذكر أسماءهم بالطبع وإن ذكر من صفاتهم ما يدل عليهم, يتحدث فى خاطرة من خاطراته عن شخص سماه “الشعرور” وهو فى الحقيقة ليس شخصا واحدا, وإنما هو نموذج مكرر نحتار فى تسميته فلا تعرف أى اسم أو صفة تنطبق عليه. هل هو شعرور أو شويعر أم متشاعرا لكننا نعرفه بالسلب لا بالإيجاب(6).
ويثير كتاب الخاطرات كما قال الشاعر الكبير دكتور حسن طلب الفضول لأنه لا ينتمى إلى عالم الدرس الأكاديمى العادى, وإنما هو كتاب يمس جوهر الحياة, فقد استطاع أن يقتنص الخبرات ويتأملها من خلال خطوة التأويل.
ونحن ننظر لهذه الظواهر لكى نفهمها ثم نأولها, ورأى طلب أن هذا الكتاب يذكرنا بخاطرات جمال الدين الأفغانى, وكذلك بكتاب فيض الخاطر للكاتب أحمد أمين , وأشار إلى أن الجانب المهم فيه هو أنه يحاول أن يمزج فى صدق وأصالة بين عقل الفيلسوف ووجدان الفنان, وهذا بالفعل حدث عند روادنا الكبار ونحن نذكر مقالات زكى نجيب محمود عن الشعر(7).
يستعيد سعيد توفيق سيرة الرواد من المفكرين وأساتذة الفلسفة من أحمد لطفى السيد, ومنصور فهمى, إلى عثمان أمين وزكريا إبراهيم وزكى نجيب محمود وفؤاد زكريا, وغيرهم ممن سعوا إلى الخروج بالفلسفة من قاعة الدرس إلى الميدان الثقافى الأرحب, بحيث صارت الفلسفة على أيديهم زادًا ثقافيا ضروريا بدونه لا ينفتح عقل, ولا ينضج وعى, ولا يثرى خيال, وعلى نحو ما نفذوا ببصائرهم إلى قضايا العصر ومشكلات الواقع.
يقدم الدكتور سعيد توفيق فى الخاطرات “للمتلقى عملا لكى يقوم باستكماله”(8), فهو عمل “موسوعى” وليس عمل “قاموسى”, حيث تفتح الخاطرات نقاشا لا يحله سوى وعى الجماهير, إن خاطرات سعيد توفيق مع حفظ الألقاب لا تبدأ ولا تنتهى, فهى مؤلفة من أوراق متحركة تتسع لسائر المعانى ومن هنا يمكن فهم الخاطرات فى ضوء قراءتنا لكتاب شاعر الرمزية مالارميه (1842- 1898), يرمى أحد مشروعات مالارميه إلى وضع كتاب متعدد الاتجاهات على سبيل المثال, يتخيل تفتيت الوحدة الأولية إلى أقسام يمكن صياغتها وجعلها تعبر عن منظورات جديدة عبر تفكيكها إلى وحدات منسجمة أصغر, متحركة(9).
الخاطرات فى ضوء قراءتى لها هى عبارة عن نغمات توافقية محددة بصورة اتصالية لوصف بنية العالم المحيط بنا, ففى الخاطرات اللحن الموسيقى بها لم يحدد بالضرورة اللحن التالى, وليس ثمة قاعدة نغمية تسمح للمستمع باستنتاج الخطوات التالية فى ترتيب اللحن الموسيقى مما سبقها ماديا, من هنا فالخاطرات عمل مجرد من النتائج الضرورية والمتوقعة والتى فيها حرية المؤول تلعب دوراً أو تقوم بدور “عدم الاستمرارية”, هناك ميل فى الخاطرات لرؤية كل تنفيذ للفكرة منفصلا عن تحديده النهائى, فكل تأويل يؤول عملا ما, لكنه لا يستنزفه, كل مؤول يجعل من العمل واقعًا, لكنه فى حد ذاته مجرد مكمل لكل التأويلات الأخرى الممكنة للعمل(10).
كتاب الخاطرات يعبر عن كثير من التفلسف بلغة غير لغة الفلسفة الشائعة, فهو يقال من خلال لغة الحكى وتأمل الذكريات والأحداث والمواقف الشخصية, حتى حينما يريد أن يعبر عن أعمق المواقف الفلسفية؛ أعنى أنه يتأمل العام والمجرد من خلال الخاص والمشخص؛ وهذا ما يجعله على حدود فن المقال الأدبى الذى يلجأ إلى أسلوب الحكى, بناءً على أن حياتنا فى مجملها هى سلسلة من حكايات لا تنتهى, وربما تكون الحياة نفسها مجرد حكاية كبرى فى عقل الله الذى سماه ديكارت المهندس الأكبر. غير أن ديكارت كان يتأمل الكون الفيزيقى والرياضى المجرد الذى يهندسه الله, لكننى أتامل هنا الكون كما يحيا فيه الإنسان من خلال تجربة حية معيشة توجد فى إطار زمانى مكانى ما: تجربة الحياة والوجود(11).
الخاطرات: هى فن من فنون المقال الأدبى الذى يلجأ إلى أسلوب الحكى بناءً على أن حياتنا فى مجملها هى سلسلة من حكايات لا تنتهى, هذا الكتاب هو دفقات من التأمل والدفقات, يقول الدكتور سعيد توفيق فى تقديمه للكتاب ” الخاطرات تأتينا دائما على غير موعد, ودون تدبر وترتيب, ولو انتظرت أن تأتينى كل خاطراتى صافية دفعة واحدة, أو فى زمن واحد موصول, فربما انتظرت إلى ما لا نهاية؛ ولهذا قررت أن أنشر ما عنَّ لى منها, لعل الباقى (أو الجزء الثانى منها) يأتى من بعد, أو ربما لا يأتى أبدًا, فلا أدركه فى حياتى أو لا يُتاح لى اقتناصه. لهذا رأيت أن أنشر ما تيسر لى منها عبر سنوات طوال, لعل سنوات أخرى تجود علىَّ بغيرها”(12).
الجزء الأول من الخاطرات يسمى (الخاطرات الأوليات) فى ظاهرات الحياة والوجود والفن , أما الجزء الثانى يسمى الخاطرات التاليات: التأملات الثانية فى تجارب الوجود والحياة والفن, وفيهما نجد لغة الحكى وتأمل الذكريات والأحداث والمواقف الشخصية , حتى حينما يريد أن يعبر عن أعمق المواقف الفلسفية, أعنى أنه يتأمل العام والمجرد من خلال الخاص والمشخص, وهذا ما يجعله على حدود فن المقال الأدبى. يقول على سبيل المثال الدكتور سعيد توفيق بصدد العلاقة بين (الليل والنهار) ” إذا كان النهار كاشفا, فإن الليل ساتر, يستر الليل من يريدون الاحتماء به ويستودعونه, يبسط النهار يديه لكل وارد, لكل من هب ودب, ولكن الليل يؤوى مريديه ويحتضنهم , يحفظ أسرارهم, ويجود عليهم بأسراره وخباياه”(13)
كما يميل الدكتور سعيد توفيق إلى رائحة الليل أكثر من رائحة النهار فيقول “ولليل روائحه, روائح النهار عندى معدودة أو معدومة, بينما روائح الليل فواحة معلومة. هذى الشجيرات تسمى مِسْكُ الليل, لا تَبُثُ عبيرَها إلا حينما يُرخِى الليلُ سدوله, ولا تبثها قبل ذلك إلا على استحياء, فحتى زهور حقول الموالح والبرسيم لا تبث عبيرها, إلا قبيل النهار الصريح, وفى آخره, حينما يُقبل الليل. وفى غسق الليل ينزل الندى على التربة وسائر الأشجار فتفوح فى المكان رائحة لا يعرفها النهار؛ إذ ينقشع معه الندى فتتلاشى تدريجيًا تلك الرائحة… إنها عندى رائحة “مَنِى الطبيعةالمَنِى الذى يلقح الطبيعة, ويكسبها بكارتها المتجددة على الدوام, يعرف تلك الرائحة من عاش بقرب حقول الريف أو تجول فيها خلال الهزيع الأخير من الليل”(14).
الخاطرات حنين إلى الرومانتيكية فى ظل نظام اقتصادى نفعى فى المقام الأول يقوم على رأسمالية جشعة متوحشة, حولت الناس فى سائر بقاع الأرض إلى حيوانات مستهلكة لا تعرف إلا القيمة المادية للأشياء, ولأفراد النوع الإنسانى أنفسهم. وبغياب الرومانتيكية وما اقترن بها من حالات وجدانية, غاب الحب الذى طالما اقترن بها , وغابت حكاياته التى طالما رواها الناس نقلا عن قصص الحب فى الواقع وعالم الفن والخيال, والتى طالما حلموا أن يعيشوها مثلما عاشها غيرهم. غير أن التحولات التى طرأت على عالمنا لم تؤد فحسب إلى غياب الرومانتيكية والحب الرومانتيكى, وإنما أصبح كل هذا مثار تندر وسخرية, وقد بدأ هذا الحال فى الغرب الذى أنتج اقتصاد العولمة وثقافتها, ثم تبعناه نحن عندئذ باعتبارنا مجرد تابعين منسحقين(15).
يربط سعيد توفيق فى خاطراته بين الأغنية والعصر فيرى ” أن كل عصر له أسلوبه الخاص فى الفهم والشعور الذى قد يكون أكثر رحابه أو عمقا أو خصوبة أو رهافة” ويرى أن “الأغنية التى تبقى بعد زوال عصرها, هى تلك التى تستبقى روح هذا العصر وعبقه الخاص. كل ما له عبق, يبقى سحره ويدوم. ما لا يحمل عبقًا خاصًا مستمدا من عصره (ربما بفعل افتقاد عصره للروح) لا يمكن أن يبقى…سرعان ما يتلاشى. وكل عصر ممتلئ, يكون قادرًا على توصيل روحه فى فنه وأغنيته إلى العصور التالية له. لأن هناك دائمًا شيئًا مشتركًا فى الروح الإنسانى, مهما تعددت طرائِقُه واختلفت فى التعبير عن طبيعته!(16).
ليس العصر فقط كما يرى الدكتور سعيد توفيق هو الذى يقترن بالأغنية, وإنما المكان هو الذى يُعين روح العصر, ويكسبه ملامحه الخاصة. تسهم الكلمات بدور أساسى فى التعبير عن روح ذلك العصر… يعرف ذلك كل من رحل فى الأمكنة فى الأمكنة واستمع إلى موسيقاها؛ ولذلك قيل: إذا أردت أن تعرف شعبًا, فاستمع إلى موسيقاه. طالما تأملت هذا الأمر وتعجبت منه, فالموسيقى الغربية على سبيل المثال وإن كانت لها ملامح مختلفة عن الموسيقى الإفريقية والموسيقى الشرقية عمومًا, فإنها تتفاوت فيما بينها بحسب الشعوب والأراضى التى تسكنها(17): فها هو ذا الموسيقار الايطالى الفذ إنيو موريكونى Ennio Morricone (1928) – الذى قدمه لنا الاستاذ الدكتور سعيد توفيق فى الخاطرات بشكل متفردا- المؤلف الموسيقى ومدير الأوركسترا الإيطالية, وهو رجل أكاديمى من طراز فريد بألأكاديمية الدولية “سانتا سيشليا” Santa Sicilia بروما واستخدمت موسيقاه لأكثر من 60 فيلم , له العديد من الأعمال المهمة من أهمها(18):
– اسمى لا أحد Mio nome é nessuno
– الصمت العظيم Il grande silenzio
– الطيب والشرير والقبيح The Good, the Bad, the ugly
– النهم إلى امتلاك الذهب The ecstasy of Gold
– حدث ذات مرة فى الغرب Once upon a time in the west
– الرسالة أو المهمة Mission
– المصارع Gladiator
يؤلف موريكونى معظم أعماله الموسيقية كموسيقى تصويرية لكثير من الأفلام الأمريكية الشهيرة (وخاصة أفلام الغرب أو رعاة البقر) ولكننا عندما نستمع لتلك الموسيقى مُجردة من أفلامها, نشعر بصلتها الحميمة بموطنها الأصلى.. سيعرف ذلك كما يقول الأستاذ الدكتور سعيد توفيق من زار مدن إيطاليا وطاف بطرقاتها ومبانيها التى تشرف عليها! الموسيقى هنا باعتبارها موسيقى أصيلة تحمل عبق موطنها الأصلى وسحره. لم يكن من الممكن تحقق تلك الصلة الحميمة إلا من خلال مبدع حقيقى! ذلك أن المبدع الحقيقى إذ يتسامى بفنه بحيث يصبح مشعورا به لدى كل إنسان فى أى زمان ومكان, فإنه فى الوقت ذاته يُجسد ذلك الشعور العام من خلال حالة بالغة الخصوصية, تتسرب إليها باستمرار روح موطنها الأصلى! ما سر هذه الصلة الحميمة بين الموسيقى وعصرها, إلا لمن يفهم روح المكان وروح الشعب الذى يسكنه(19).
إذا كان هذا حال الموسيقى التى ترتبط بالشعب, فما بالك بأغانيه التى تحمل لُغته وطرائقها الخاصة فى التعبير عن الشعور: فالكلمة تضفى قوة تعبيرية خاصة على الموسيقى؛ لأنها تُكسبها صورة متعَّينة. حتى حينما لا نفهم معانى الكلمات بدقة, نشعر فى الوقت ذاته أنها تعبر عن موطنها وروح عصرها, وهذا هو سر متعتنا بها(20).
إن فيلم “الطيب والشرير والقبيح” بطولة كلينت إيستوود ولى فان كليف وإيلى ولاش, ومن إخراج سيرجيو ليونى, فضلا عن البطل الأكبر غير المرئى فى هذا الفيلم وهو إنيو موريكونى الذى وضع الموسيقى التصويرية لهذا الفيلم, ولغيره من الأفلام العُظمى فى تاريخ السينما خلال نصف القرن الأخير(21).
الجميل فى فيلم الطيب والشرس والقبيح هو الموسيقى التصويرية, وقدرتها الفائقة على تصوير تفاصيل الحدث وروحه, ودقتها الفائقة فى توقيت دخول الموسيقى على الصورة السينمائية وتوقيت مفارقته لها, هناك تلاحم بين الصورة والموسيقى, وصناعة الصورة السينمائية بما تنطوى عليه من مونتاج وموسيقى تصويرية؛ ولذلك أصبح واحدا من أفضل مائة فيلم فى تاريخ السينما,
يقول سعيد توفيق “تأمل دخول الموسيقى على كل لحظة من لحظات المشهد, وكيف كانت الصورة تتوافق مع الموسيقى, بل كيف كانت تتسارعُ اللقطات بصورة فائقة مدهشة لتتوافق مع سرعة الإيقاع الموسيقى, وتهدأ مع هدوئه, بل تسكن مع سكونه اللحظى, لتتسارع من جديد مع سرعة اللقطات التى صنع المونتاج حركتها بعناية مُذهلة.
ليس أدل على عظمة هذا المشهد الذى كانت فيه موسيقى الفيلم هى البطل, سوى أن هذا المقطع الموسيقى قد تحول إلى حالة موسيقية قائمة بذاتها يمكن عزفها بمنأى عن الفيلم, وإن كانت تحمل عنوان الحالة التى يعبر عنها مجمل الفيلم, وهى حالة موسيقية يتم عزفها منفردة بعنوان “النهم إلى إمتلاك الذهب”, وهى الحالة التى يعبر عنها المشهد الأخير الذى يجرى فيه القبيح بين المقابر بحثا عن اسم قبر يتوهم أن كنز الذهب مدفون فيه! يكفى كتابة ذلك العنوان على شبكة المعلومات, لتدخل فى تلك الحالة الموسيقية الآسرة من خلال أوركسترا سيمفونى يقوده ميروكونى نفسه, ويتجلى فيه الصوت البشرى الأوبرالى المهيمن على العمل: إنه الأداء الصوتى لسوزانا ريجاتشىو ذلك الأداء الفريد المبهر الذى يحبس أنفاس الجمهور, والذى لا يضاهيه أداء أى مُغنية أوبرالية أخرى لهذا العمل ذاته”(22).
ليست موسيقى الفيلم مجرد حلية سينمائية, بل هى جزء من نسيج الفيلم. ومع ذلك, فإن الموسيقى التصويرية العظيمة يظل لها حضور قائم بذاته, باعتبارها تنظوى على جمالياتها الخاصة. إنها عمل فريد يبدو كما لو كان مباطنا ومفارقا للفيلم فى الوقت ذاته؛ وهذا سر سطوتها وقدرتها على أن تمارس سحرها حينما يتم عزفها منفردة من خلال العرض الأوركسترالى, يقول سعيد توفيق فى حنينه للموسيقى التى كان يستمع إليها فى مرحلة الصبا ” كم من مرة اكتشفت أن هذه المقطوعة الموسيقية التى كنت أنصت إليها بتأثر بالغ عبر البرنامج الموسيقى الذى يبثه الراديو, ما هى إلا الموسيقى التصويرية التى استمعت إليها من قبل فى مرحلة الصبا من خلال الفيلم, إنها الموسيقى التى تنتمى إلى ذلك النوع من الأفلام الذى غزا العالم.
وهى أيضا تلك الموسيقى التى أستمتع بها الآن من خلال حالة جمالية منذ أمس الأول فى أثناء رحلة الصيد فى عرض البحر. اكتشفت أن ما أحببته وما بقى فى ذاكرتى عبر هذا الزمان الطويل, هو أن: الموسيقى التى أحببتها وما بقى فى ذاكرتى عبر الزمان الطويل, هو أن؛ الموسيقى التى أحببتُها من خلال التأمل والدرس الفلسفى, هى الموسيقى نفسها التى كنت أستمتع بها فى كل لحظة من لحظات الزمان الجميل, حينما كنت صبيًا غِرِّيرًا وشابًا يافِعًا لم يستغرقه التأمل بعد(23).
ظلت موسيقى موريكونى حاضرة دائمًا فى فكر الأستاذ الدكتور سعيد توفيق فى الصدارة وفى الخلفية, لأنها لم تكن مجرد موسيقى مصاحبة للصورة السينمائية فى كثير من الأفلام الخالدة, بل تبدو كأنها موسيقى صُنعت الصورة من أجلها, وكأنها البطل الحقيقى للفيلم؛ ولذلك فإنها كانت دائمًا قادرة على أن تمارس تأثيرها عندما تُعزف منفردة فى العديد من الحفلات الموسيقية التى كان يقود فيها الأوركسترا موريكونى نفسه أحيانًا.
لم يكن يقود فحسب أوركسترا من مئات العازفين والكورال المشتركين فى الأداء الموسيقى, بل أيضًا المنفردين بهذا الأداء ممن يسمى الواحد المتفرد منهم ” بالسوليست” بل كان يقود أيضًا فى بعض أعماله الكورال الموسيقى الذى يقوم بدور أساسى فى أعماله الموسيقية, فضلا عن السوليست فى هذا الأداء للصوت البشرى الذى نبغت فيه بعض الفنانات, حتى أصبحنا لا نتخيل إمكانية عرض عمله الموسيقى بدرجة عالية من الإتقان من دون بعضهن, وعلى رأسهن: سوزانا ريجاتشى Susanne Riggaci .
كتاب الخاطرات حالة من السعى إلى فهم الوجود
إن موسيقى موريكونى صنعت مكانتهن وشهرتهن, ولكن موسيقاه نفسها لم تكن لتجد طريقها إلى مثل هذه الحالة البديعة من دونهن. إن الواحدة منهن تعبر عن الإمكانات الهائلة للصوت البشرى فى التعبير عن مواضع فى اللحن الموسيقى, لا يمكن أن تبلغها آلة أو مجموعة من الآلات الموسيقية(24).
إذن كتاب الخاطرات حالة من السعى إلى فهم الوجود, من خلال التأمل الانعكاسى الفينومينولوجى, ومن خلال تأويل الظاهرات الإنسانية, وهى حالة يحتاج أدعياء الفكر والثقافة عشرات من السنين كى يستوعبها. وليس كل حنين للماضى يعنى نزعة ماضوية, تؤمن بأن الماضى أفضل من الحاضر؛ فليس الماضى أفضل من الحاضر إلا حينما يكون الحاضر مُفلسا, ولا يقدم لنا شيئا يضاهى ما مضى, وذلك حال كل البلدان المتخلفة فى عالمنا على اتساعه(25).
إن خبرة التأمل الإنعكاسى أو الباطنى يصفها ميرلوبونتى باعتبارها جوهر التأمل الفينومينولوجى. والحقيقة أن معنى هذا هو أن خبرة التأمل الانعكاسى هى فى الحقيقة خبرة بتأمل شيء ما يحدث لنا فى عالم الخبرة المعيشة, أى خبرة مباشرة مستمدة من هذا العالم. ولا شك أن هذا العالم المعيش ليس هو اللحظة الراهنة التى نعيشها, وإنما هو عالمنا الذى عشناه وعايشناه عبر زمن ممتد منذ أن وعينا.. منذ أن أمكننا أن ندرك ونعرف ونفهم(26).
مصادر ومراجع الدراسة:
(1) مقال الشاعر أحمد عبد المعطى حجازى بعنوان: خاطرات سعيد توفيق, منشور بجريدة الأهرام, بتاريخ 18 ديسمبر 2019 .
(2) المرجع السابق.
(3) سعيد توفيق, الخاطرات سيرة ذاتية فلسفية, تأملات فى ظاهريات الحياة والوجود والفن, مؤسسة بتانة, القاهرة, 2019 , ص 103 .
(4) مقال الشاعر أحمد عبد المعطى حجازى بعنوان: خاطرات سعيد توفيق, مرجع سابق.
(5) سعيد توفيق, الخاطرات سيرة ذاتية فلسفية, تأملات فى ظاهريات الحياة والوجود والفن, مؤسسة بتانة, القاهرة, 2019 , ص 110 .
(6) المرجع السابق, ص 242 .
(7) ندوة بيت الشعر, مناقشة كتاب الخاطرات لسعيد توفيق, مركز إبداع الست وسيلة الأزهر, صالون الشاعر أحمد عبد المعطى حجازى, كلمة الشاعر حسن طلب, بتاريخ 5 يناير 2020 .
(8) Eco U., Opera aperta – Forma e indeterminazione nelle poetiche contemporanee, II edizione, Bompiani, Milano, 1967. P50.
(9) Scherer J., Le livre de Mallarmé: Premiere recherches sur des documents inédits, II edizione, Paris 1957 Gallimard (in Particolare, il Cap. III, Physique du livre).
(10) Eco U., Opera aperta – Forma e indeterminazione nelle poetiche contemporanee,
(11) سعيد توفيق, الخاطرات سيرة ذاتية فلسفية, تأملات فى ظاهريات الحياة والوجود والفن, ص 15 .
(12) المرجع السابق, ص 18 .
(13) المرجع السابق, ص 32 .
(14) المرجع السابق, ص 32 .
(15) المرجع السابق, ص 49 .
(16) المرجع السابق, ص 54 .
(17) المرجع السابق, ص 55 .
(18) Un’intervista di Gianni Minà del 2004 “Una vita da maestro”, La musica secondo… Ennio Morricone.
مقابلة مع إنيو موريكونى, أعدها جانى مينا, حياة أستاذ, الموسيقى عند أنيو موريكونى , 2004 وللرجوع إلى هذه الدراسة يمكن الرجوع للرابط التالى:
http://www.andreaconti.it/articoli/morricon.html
(19) سعيد توفيق, الخاطرات سيرة ذاتية فلسفية, تأملات فى ظاهريات الحياة والوجود والفن, المرجع السابق, ص 55 .
(20) المرجع السابق, ص 56 .
(21) المرجع السابق, ص 206 .
(22) المرجع السابق, ص 211 .
(23) المرجع السابق, ص 213 .
(24) المرجع السابق, ص 219 .
(25) المرجع السابق, ص 352 .
(26) المرجع السابق, ص 212 .
سامح الطنطاوى


لا تعليق