وكأني كنت أستقرئ الواقع عندما تحدثت في مقالي السابق بملحق الأهرام (بتاريخ 10 أبريل) عن «التعليم والتطرف الديني والإرهاب». فالواقعة المفجعة التي حدثت منذ أيام، والتي جرى فيها حرق الكتب في إحدى المدارس الكائنة بمنطقة فيصل (التابعة لإدارة الجيزة التعليمية) يلخص لنا ما آل إليه حال التعليم في مصرنا.
تلك الحادثة المفجعة التي باتت معروفة للجميع تتلخص في أن الإدارة التعليمية شكلت لجنة من المشرفين التربويين لحرق بعض الكتب التي تخص مكتبة المدرسة؛ إذ اعتبرتها الإدارة تحض على التطرف الديني! أتخيل حال التلاميذ وهم يرقبون هذا المشهد العبثي الذين لا يعون منه شيئًا، ولكنه سوف يبقى في وعيهم باعتباره درسًا واقعيًا في تعليم العنف والإرهاب في أبشع صوره: الخلاص من فكر الآخر بالحرق، حينما لا نرضى عن هذا الفكر أو نختلف معه. والمذهل أن وزارة التربية والتعليم- ممثلة في هذه الإدارة- قد أصدرت بيانًا تبرر فيه هذا الحرق، وقد قيل إن هذه الكتب من تأليف بعض الإخوان والسلفيين، في حين أن بعضًا من هذه الكتب من تأليف كبار المفكرين ممن لا ينتمون إلى أي منهما، أمثال أستاذنا الدكتور عثمان أمين والدكتور حسين مؤنس والعلامة محمد فريد وجدي، وغيرهم كثير. بل إن من هذه الكتب ما يعد من أمهات الكتب في تاريخنا المعاصر وهو كتاب «الإسلام وأصول الحكم» للشيخ على عبد الرازق! وكتابات هؤلاء الأعلام جميعًا تُحسب على تيار التنوير في الفكر الإسلامي المعاصر الذي يواصل جهود الشيخ الإمام الأكبر محمد عبده.
التف أعضاء اللجنة حول المحرقة مبتهجين باحتراق الكتب على أنغام النشيد الوطني وقد أمسك كل واحد منهم بعلم مصر، وكأنهم في مهمة قومية! بل إن كبيرتهم (وكيلة الوزارة) قد استدعت الصحافة لكي تلتقط لهم الصور التذكارية التي توثق هذه المناسبة الوطنية في حب مصر! ولعلها بذلك كانت تريد أن تلفت قيادات الدولة إلى وطنيتها المزعومة، مدفوعةً بالتطلع إلى تولى الوزارة التي سبق ترشيحها لها كما قيل في بعض الصحف، دون أن تدري أنها بذلك تسيء إلى الدولة، بل إلى الإنسانية نفسها. وتلك الآفة في تملق السلطة أصبحت تستولي على أذهان كبار الموظفين الذين أصبحوا يحلمون بالوزارة، ولسان حالهم يقول: ولم لا ونحن نرى الموظفين يُستوزَرون ويتولون المناصب الرفيعة في الدولة، دون أن يكون لهم رؤية أو فكر أو تاريخ أو أي أمارات على الألمعية والذكاء حتى في حدود مهنتهم الضيقة! هذا حال الموظفين الكبار في سائر قطاعات الدولة، فما بالك بالموظفين الصغار الذين جعلهم نظام الدولة منذ عهد بعيد يعتادون تملق الكبار ما داموا موجودين في السلطة. ولكن هذه الحالة تصبح بالغة الخطورة في مؤسسة التعليم حينما يصبح القائمون عليها مجرد موظفين يفتقرون إلى المعرفة والفكر والثقافة، حتى في أدنى صورها، بحيث لا يعرفون شيئًا عن الكتب التي يحرقونها: فهم- على سبيل المثال- لا يعرفون شيئًا عن كتاب العلاَّمة المفكر الإسلامي المستنير على عبد الرازق، ولا يعرفون ما يميزه عن كتابات السلفيين، ولن يفهموا شيئًا منه إن أُتيح لهم مطالعته. وحتى كتابات السلفيين هي جزء من تاريخ الفكر يؤخذ ويرد عليه. وقد يستعصي كل ذلك على أفهام التلاميذ مثلما يستعصي على أفهام أولئك الموظفين، ولكن هذا كله ينبغي أن يُصان، وأن يُنتقى منه ما يصلح لعقول التلاميذ بحسب المراحل التعليمية، وإن كنت أرى أن ملخصات لكتابات محيي الدين ابن العربي والشيخ الإمام محمد عبده وسلفه الشيخ على عبد الرازق، هي ذلك الصنف من الكتابات التي يمكن أن تُحدِث طفرة في الوعي الديني لدى النشء والشباب في الجامعات، إذا أُخِذت مأخذ الجد وكان التعويل عليها في إصلاح شأن الخطاب الديني في مصر. وإن كان الشك من طبعي في أمور الفكر، باعتبار الشك منهجًا ضروريًا في إعمال الفكر؛ فإنني هنا أكاد أجزم- من واقع الخبرة- أن كلَّ أو جلَّ القائمين على شئون التعليم في مصر لا يعرفون شيئًا عن هذه الكتابات، وربما لم يسمعوا حتى بأسماء مؤلفيها. ولكن ماذا ننتظر من الموظفين في وزارة التربية والتعليم وهذا حالهم البائس الذي لا علاقة له بالفكر أو الثقافة أو الرؤية المستنيرة.
ولا ينبغي النظر إلى هذه الحادثة باعتبارها حادثة فردية كما اعتاد المسئولون تبرير مثل هذه الحوادث المفجعة، بل إنها حادثة دالة على ما آل إليه حال التعليم في بلدنا؛ ببساطة لأنه ينبهنا إلى حال القائمين على التعليم في بلدنا، من أمثال أولئك الذين لا يملكون شيئًا يمكن تعليمه للطلاب: فهم لا يملكون رؤية أو خطة للنهوض بالتعليم، بل إنهم أنفسهم يحتاجون إلى التربية والتعليم من جديد. إن هذه الحادثة أشبه بقمة جبل الجليد الذي يختفي أسفل سطح المحيط الذي نبحر فيه، والذي سوف نرتطم بها لا محالة مادمنا لا نعرف مسارنا في الإبحار. والواقع أن هذه الكارثة التي نحن مقبلون عليها تجعلنا في محنة تشبه- إلى حد ما- محنة ابن رشد التي كانت نذيرًا بأفول الحضارة الإسلامية عند نهاية القرن الثاني عشر الميلادي (نهاية القرن السادس الهجري)، حينما كان حرق كتب ابن رشد التي هي أكثر الكتابات تنويرًا في تاريخ الفكر الإسلامي. وبينما كان المسلمون يحرقون هذه الكتابات، كان أهل الفرنجة يقومون بتهريب نسخً مترجمة منها ليؤسسوا عليها مدرسة في الفكر الأوروبي عُرِفت باسم «الرُشدية اللاتينية». ولا أمل لنا في أي نهضة ممكنة إذا لم نستوعب هذا الدرس، وإذا لم نفهم محنتنا الراهنة التي هي محنة الفكر.
وربما يقول قائل: هل نظل نتباكى على حالنا دون أن نقدم حلولاً لأزمتنا في كل مجال نتحدث عنه؟ غير أن السائل هنا غافل عن أن تشخيص الداء فيه توصيف الدواء. ولا شك أن الدواء يختلف وفقًا لطبيعة الداء ومجاله. وفيما يخص الحالة التي نتناولها الآن، فمن الواضح أن علاجها يبدأ من حُسن اختيار القائمين على شئون التعليم في بلدنا، فلا يمكن اعتماد نهج ترقية الموظفين وفقًا للأقدمية في الوظائف التي تتعلق بالإشراف على التعليم والعملية التربوية، وهذا لن يضير سائر الموظفين الذين يمكن ترقيتهم في الوظائف الإدارية التي لا تتعلق بالعملية التعليمية ما داموا غير مؤهلين في شئون التربية والتعليم. ومع ذلك، فإن هذا لن يحل مشكلة التعليم حتى في هذه الحالة التي نتناولها، فهذا يمكن أن يحل المشكلة حلاً جزئيًا لا جذريًا؛ لأن المشكلة ستظل قائمة على مستوى الدرس التعليمي الذي يضطلع به مدرسون غير مؤهلين غالبًا، يقومون بتدريس مناهج لا تؤهل التلاميذ وطلبة العلم لإعمال الفكر والنقد والابتكار. وليس أدل على ذلك مما فوجئنا به منذ أيام قليلة من تصريح لوزير التربية والتعليم بموافقته على حذف بعض وقائع التاريخ الإسلامي من المناهج الدراسية من قبيل: حروب الردة وموقعة الجمل وغير ذلك من الوقائع، بناءً على توصية بعض الخبراء أو المستشارين في الوزارة الذين رأوا أن مثل هذه الوقائع تحض على التطرف! وكأن المطلوب هو إخفاء وقائع التاريخ عن الطلبة، بدلاً من معرفتهم لوقائع تاريخهم وبيان أسبابها ودوافعها ومناقشة وجه الحق فيها. وإذا كان مستشارو التعليم يفكرون على هذا النحو الذي يسعى إلى إخفاء التاريخ وتزييف عقول الطلبة أو تسطيحها بحيث لا يقرأون التاريخ إلا من وجه واحد، فما بالك بحال المدرسين.
ومن هذا يتبدى لنا أن المشكلة بالغة التعقيد، ولكنها ليست مستعصية على الحل: فبجانب إصلاح حال القائمين على شئون التعليم من الكبار، ينبغي إصلاح شأن المدرسين بإعداد أجيال جديدة مؤهَّلة للتدريس، وهذا يقتضي إصلاح شأن التعليم الجامعي الذي يخرِّج لنا هؤلاء المدرسين: فإصلاح شأن التعليم السابق على التعليم الجامعي يقتضي إصلاح شأن التعليم الجامعي، ولكن إصلاح التعليم الجامعي نفسه ينبغي أن يبدأ من التعليم الأساسي السابق على التعليم الجامعي. وهكذا نبدو وكأننا ندور في متاهة أو دائرة. ولكن الحقيقة أن ما يجعلنا في هذه المتاهة هو افتقادنا الرؤية، وافتقارنا إلى البوصلة التي توجه مسارنا نحو إصلاح منظومة التعليم في مجملها. فهذه الرؤية الشاملة وحدها، هي ما يمكن أن يكفل لنا إعداد أجيال من المدرسين والقيادات المؤهَّلة للعملية التعليمية. فإن أممكنا أن نحدد موضعنا دون خداع وأن نرصد هدفنا ببصيرة؛ فإن هذا الهدف يمكن أن يتحقق على مدى عمر جيل جديد، إذا صح العزم منا، لا البصيرة فحسب.
ولنا عودة إلى كشف المزيد من مشكلات التعليم في مصر، وسُبُل علاجها.

لا تعليق