أحمد الشهاوى شاعر متميز فى مجال قصيدة النثر، سواء من حيث أسلوب التعبير الشعرى أو من حيث المضمون الشعرى الذى يلِّح عليه، وكثيرًا ما يطرق بابه. ونحن نلاحظ فى أسلوبه الشعرى أنه متمركز دائمًا حول لغة «الأنا»، أعني: لغة الذات التى تتأمل معنى خبراتها الذاتية الخاصة؛ كما نلاحظ أن المضمون المهيمن على قصائده هو تجربة العشق.
……………………………………………
ولعل هذا هو ما عبر عنه هو نفسه مؤخرًا بوضوح فى كتابه الذى صدر بعنوان: «أنا من أهوي: 600 طريق إلى العشق». والحقيقة أن ما لفت نظرى إلى هذا الكتاب هو صعوبة تصنيفه، وأنا بطبيعتى مهتم بالكتابات التى يصعب تصنيفها من حيث النوع الأدبي؛ لأننى أكتب أيضًا كتابات تخرج عن التصنيفات المألوفة. ذلك أن كتابه هذا ليس بشعر خالص، وليس بسيرة ذاتية، ولكنه أيضًا ليس بنثر خالص. شغلنى أمر توصيف هذا الكتاب، فم أجد توصيفًا دقيقًا له سوى أنه كتاب فى «شعرية النثر». وهنا ينبغى أن نميز تمييزًا دقيقًا بين ما نسميه «شعرية النثر» وبين المصطلح الدارج عن «شعرية قصيدة النثر»: ذلك أن «شعرية قصيدة النثر» يتفاوت فيها الشعراء تفاوتًا كبيرًا، بناءً على مقدرتهم فى امتلاك ناصية اللغة، وحسهم الشعرى بموسيقا اللغة، حتى حينما يحاولون التحرُّر من هذه الموسيقا فى قوالبها التقليدية. أما «شعرية النثر»، فذلك شأن آخر؛ لأنه يتعلق بالنثر ذاته، وإن جاء مكتوبًا بلغة شعرية، أعنى لغة ليست تشبه لغة النثر الخالص، وإنما لغة توظف أدوات الشعر ولغته، وذاك أمر لا يقدر عليه كاتب، إلا إذا كان فى الأصل شاعرًا، وهو خصيصة تعلو كثيرًا على قيمة كثير من القصائد التى يكتبها كثير من الشعراء فى مجال «قصيدة النثر». وفى ضوء هذا يمكن أن ننظر فى كتابه سالف الذكر.
أول ما يلفت النظر فى هذا الكتاب هو تلك القدرة الهائلة على توصيف حقيقة العشق وتجلياته فى صغائر الحالات وعظائمها، وفى أبسط العواطف وأكثرها عمقًا:
يصف الكاتب شيئًا من الحب الجنسى، إذ يقول: «رأسُ الحُب القُبل، وذروة سِنامه الشوق، وعموده الفِقرى أن تحل فيمن تعشق، وما دونَ ذلك يأخذ أسماء أخرى ليس الحب من بينها». (ص. 16) ولكننا سرعان ما نكتشف أن الشهاوى يقصد ما هو أسمى من معنى الحب الجنسى إلى ما هو فوقه، والمدهش أن هذا يحدث فى السياق ذاته فى آن، فهو يقول فى الفقرة التالية مباشرة على سابقتها: «من يعشق مُبارَك، ومقدسة رُوحُه، وأرضه واسعة، يدُ قلبِه بيضاءُ من غير سُوءٍ، حيثُ الحُب كتابُهُ وسُنَّتُه، أما الذين يلبسون الحب رداءً بهم، فهم نخالةُ الأرض، وكُناسة دكاكين الهوى…» (ص. 16)
هذا الأمر أو النقلة فى مستويات توصيف العشق تتكرر كثيرًا فى الكتاب، فهو أحيانًا يتحدث صراحة عن العشق الصريح بين الذكر والأنثى، حتى إنه يذهب إلى القول بأنه «… لا يُقاس عمر الإنسان إلا بسنوات عشقه، وما عدا ذلك أوقات مهدورة، إذ لا تصلح الإناث إلا بالذكور، ولا يصلح الذكور إلا بالإناث..» (ص. 21) هذا العشق الجنسى الذى يبلغ أحيانًا حد عبادة الجسد والتجلى الظاهرى للجمال الأنثوى، يبلغ ذروته فى بعض شذرات الكتاب على نحو يجلب على كاتبه تهمة التكفير، إذ يستخدم أحيانًا فى شذراته شيئًا من التناص مع الأحاديث النبوية ومأثورات العقائد.
ومن ذلك قوله (بلغة وصورة شعرية) فى وصف المحبوبة التى يفوق جمالها كل وصف دنيوى ممكن: «لو أنها ذهبت إلى المقابر لتحرَّك الموتى فى أكفانهم وصلُّوا على جمالها، وسلموا تسليمًا» (ص. 90)
ومثل هذا النوع من وصف العشق الذى يبدو متعارضًا مع الدينى والمقدَّس، يبلغ ذروته فى شذرة من جملة واحدة تساؤلية، يقول فيها: «من غيرك يحل محلَّ الإلهِ عندى سواك؟» (ص. 82)
غير أننا إذا اكتفينا بالنظر إلى بعض شذرات هذا الكتاب على هذا الأساس، ومن خلال هذا المنظور الضيق، فلن نتفهم أبعاده ومراميه فى وصف تجربة العشق فى عمقها. ذلك أن تجربة العشق فى ذروتها الحقيقية هى تجربة تريد أن تبلغ حالة الاتحاد والحلول: حلول الأنا فى الآخر. ومثال هذه التجربة التام هو حالة العشق الإلهي؛ ولذلك فقد عبَّر المتصوفة عن تجربة العشق الإلهى من خلال تمثُّل الحالات البشرية للعشق، وإن جاء هذا التمثُّل فى صورة رمزية بالغة التجريد أحيانًأ. ولكننا مع الشهاوى نجد التجربة ذاتها، وإن جاءت فى صورة أكثر تعيُّنًا، أعنى من خلال صور أكثر حسية. ولكن الطابع الصوفى فى التجربة هنا لا يزال يطل علينا ولو من بعيد، ليكشف عن نفسه فى النهاية من خلال لغة صريحة، حينما يقول الشهاوي: «أعشق لأننى أرى فيمنْ أعشقُ الصورة المُتجلِّية المُقدّسة للإله، حين يخلُقُ ويُكوِّن أحسنَ وأقومَ تكوينٍ؛ إذ المرأة نحتُهُ، وتجسيد وتجسيم لجلالهِ وجمالهِ وكمالهِ وظلالهِ على جنَّةِ الأرض.» (ص. 245).
وهكذا، فإننا عند قراءة هذا الكتاب، نجد أننا نتحوَّل تدريجيًّا إلى نوع من تجربة العشق الصوفى أو العشق الإلهى الذى هو مصدر كل تجربة حقيقية فى العشق الدنيوى.

لا تعليق