الدرس المستفاد من أزمة فيلم «حلاوة روح»

لا يزال الجدل دائرًا منذ أكثر من نصف عام بعد منع عرض فيلم «حلاوة روح»، وقد اتسع هذا الجدل مؤخرًا بعد منع عرض فيلم «الخروج: ملوك وآلهة»،

 

 حتى امتد ليشمل دور الرقابة على الفن. وقبل أن أُبدي رأيي في هذه المسألة، أود أولاً أن أشير باختصار إلى سياق أزمة فيلم «حلاوة روح» باعتباري شاهدًا عليها وطرفًا فيها في الوقت ذاته؛ إذ كنت أحاول حل هذه الأزمة وتجاوزها، حينما كنت أشغل منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة آنذاك الذي يتبعه جهاز الرقابة على المصنفات الفنية:

من المعلوم أن السيد المهندس إبراهيم محلب رئيس مجلس الوزراء قد أبدى استياؤه من الفيلم، ورأى إيقاف عرضه بعد أن تزايدت الضغوط والمطالبات بذلك من بعض مؤسسات المجتمع، خاصة الجهاز القومي للأمومة والطفولة. وبالتالي أصبح على وزير الثقافة آنذاك (وهو الدكتور صابر عرب) أن يصدر قرارًا بمنع عرض الفيلم، ولكن الوزير طلب مني أن أُصدِر هذا القرار بحكم أن جهاز الرقابة هو من الجهات التابعة للمجلس الأعلى للثقافة. ولكني- بدوري- قد رفضت الانصياع لطلب الوزير، ليس تنصلاً من المسئولية أو خوفًا من تبعاتها؛ وإنما لقناعتي بأن دور الرقابة ينبغي أن يكون محصورًا في أضيق الحدود (وهذا ما سوف أتناوله فيما بعد)، فضلاً عن أن الرقابة قد أجازت عرض الفيلم؛ وبالتالي لو أننا تركنا أمر الفن رهن رضاء كل جهة مجتمعية في الدولة رسمية كانت أو غير رسمية، فلن يكون هناك فن جيد يومًا ما. قلت ذلك كله للوزير، رغم قناعتي بأن الفيلم رديء من الناحيتين الفنية والجمالية، فضلاً عن كونه نسخة مشوَّهة من فيلم «مالينا» الإيطالي! فكان على الوزير أن يُصدِر القرار بنفسه. في إثر ذلك زارني السبكي- منتج الفيلم- في مكتبي، وقدم إليَّ تظلمًا من هذا القرار باعتباري الجهة المختصة، وطلب مني مشاهدة نسخة أصلية من الفيلم لكي أتأكد بنفسي من أنه ليس هناك في الفيلم شيء مما يُروِّجه أناس لم يشاهدوه عما ينطوي عليه من فجور وتحريض للنشء على الفسق. قبلت ذلك على أمل حل هذه الأزمة دون اتخاذ إجراءات قانونية، ولقناعتي بأن السبكي أنتج بعض الأعمال المقبولة فنيًا في وقت توقفت فيه صناعة السينما في مصر. زارني في مكتبي مع ابنته والسيناريست، وجلست بينهم لمشاهدة الفيلم. قلت للسبكي: سأحاول إقناع وزير الثقافة لإجازة عرض الفيلم، إذا قبِلتَ حذف ستة مشاهد حددتها له. لم أحدد هذه المشاهِد باعتباري صاحب سلطة آنذاك، وإنما باعتباري ناقدًا وأستاذًا لفلسفة الفن وعلم الجمال، وعلى هذا الأساس أوضحت للسبكي لماذا يجب حذف هذه المشاهِد من الناحية الفنية. من بين هذه المشاهِد التي طالبت السبكي بحذفها ثلاثة مشاهِد من أربعة تقريبًا، تصور تلصص الصبي على جسد هيفاء وهبي بينما تتقلب على فراشها في رداء نومها؛ إذ يكفي مشهد واحد من هذا لتأسيس المُرَاد هنا في السياق الدرامي للفيلم، أما تكرار المشهد هنا فسوف يكون من قبيل مشاهِد «البورنو» التي تهدف إلى الإثارة الجنسية فحسب. قال لي السبكي: إن هذا سوف يكبدني خسائرَ جسيمة، خاصةً أنني لم أدفع بعد لهيفاء وهبي أجرها عن الفيلم؛ فقلت له: إن هذه المشاهِد لا تستغرق سوى بضع دقائق؛ فقبل ذلك مني؛ ربما لأنه شعر أنني أريد أن أساعده وأنني أتحدث معه من منطلق فني لا سلطوي. كنت أود أن أُنهي هذه الأزمة المفتعلة حول الفيلم التي لا تفطن إلى حقيقة أزمة السينما في مصر الآن بعد طول تألق وازدهار خلال النصف الثاني من القرن الفائت. أخبرت وزير الثقافة الدكتور صابر عرب أنني أستطيع حل هذه الأزمة وتجاوزها على هذا النحو الذي ذكرته، والذي يُرضي كل الأطراف ولا يجور على الفن في الوقت ذاته، فتردد في الموافقة على موقفي من حل الأزمة، ثم هاتفني في اليوم التالي بضرورة إحالة تظلم السبكي إلى لجنة التظلمات بالمجلس الأعلى للثقافة. فأحلت الموضوع برمته- على غير رغبة مني- إلى هذه اللجنة التي انتهت إلى رفض عرض الفيلم. لجأ السبكي إلى القضاء، فكسب قضيته، وأصبح الفيلم متاحًا لجمهور السينما ولجماهير شبكة المعلومات، فهؤلاء جميعًا قد أصبحوا أكثر حرصًا على مشاهدة هذا الفيلم الذي أثير حوله كل هذا الجدال، وهو الفيلم نفسه الذي كان قد أوشك أن يُرفَع من دور السينما بعد أسبوعين من عرضه؛ بسبب ضعف إقبال المشاهدين عليه.

 

هكذا حال السينما في مصر، وهكذا تكون إدارتها التي لا تفطن إلى أهميتها وإلى ضرورة دعم صناعتها. فليست مواجهة الفن الرديء تكون بالمنع، وإنما بإبداع الفن الرفيع الذي يطرد الفن الرديء، حينما يصبح قادرًا على تشكيل ذائقة الناس الفنية الجمالية. وبما أن إنتاج الفن السينمائي الرفيع أو حتى الجيد، لا يمكن أن يحدث في بلد لا يزال متعثرا في النمو منذ عقود طويلة أو تم تجريفه بحيث لم يعد فيه مؤسسات فنية خاصة قادرة على صناعة الفيلم؛ فلا بد إذن من أن تتبني الدولة السينما باعتبارها فنًا وصناعة في الوقت ذاته، وباعتبارها رافدًا بالغ الأهمية من روافد الثقافة بمفهومها الواسع. هذا دور الدولة في كل مجتمع- مثل مجتمعنا- يريد أن ينهض من جديد ويلملم أشلاء جسده المبعثرة، إلى أن يأتي الوقت الذي تنهض فيه مؤسسات فنية خاصة قادرة على صناعة كل أشكال الفن السينمائي بحِرفية عالية في سياق تنافسي مع إنتاج الدولة الرفيع.

وإذا كان من مهام الدولة- بمقتضى الظروف الراهنة- أن ترعى صناعة السينما مثلما ترعى سائر الفنون والآداب، فإن هذا لا يعني اختزال دور الدولة في دور الرقيب؛ فالراعي لا يُراقب فحسب، وإنما يُنشِئ ويدعم ويطور. ولذلك فإن ما ينبغي اختزاله هو دور الرقيب نفسه ممثلاً في سلطة الرقابة على المصنفات الفنية التي هي جزء من سلطة الدولة. وعلى الرغم من أن هذه السلطة كانت تتبعني بمقتضى منصبي، فقد كنت أراها سلطة غاشمة جهولة فضفاضة، بحيث تتيح للقائمين عليها كافةً أن يكونوا أصحاب سلطة واسعة ومطلقة. ذلك أن أغلب الرقباء هم موظفون يطبقون قانونًا فضفاضًا عقيمًا؛ وبالتالي يحق لكل منهم أن يكيف أي مادة في القانون بحسب قناعاته الفكرية وربما بحسب قناعاته الدينية المغلوطة، دون أن يكون له أي باع في مسائل الفن والنقد الفني، بل إن القائم على هذه الرقابة قد يتم اختياره دون أن يكون له باع في ذلك أيضًا، والأمر كله عبث! ولذلك فقد سبق أن اقترحت مشروعًا لإعادة هيكلة الرقابة على المصنفات الفنية، وهو الأمر الذي أصبح يتخذه كل وزير أو مسئول عن الثقافة شعارًا له، فكل مسئول أو غير مسئول أصبح يرفع شعار «إعادة هيكلة الرقابة على المصنفات الفنية» دون أن يقول لنا شيئًا مفيدًا أو يتخذ إجراء عمليا. هذا المشروع يعني ببساطة أن يختص بعمل الرقيب أهل الاختصاص من المؤهلين، وأن تقتصر سلطة الرقابة في المنع وعدم إجازة الأعمال الفنية (السينمائية وغيرها من فنون العرض) على ثلاثة محاذير أساسية فقط، وهي:

– ازدراء الأديان أيًا كانت، بما في ذلك ازدراء رموزها ومعتقداتها.

– ازدراء الآخر، سواء تمثل هذا الآخر في جنس بشري أو شعب أو عِرق.

– البورنو (أو الجنس الصريح)، أي توظيف أجزاء من العمل الفني لا تخدم السياق الدرامي، وإنما تهدف إلى الإثارة الجنسية فحسب.

هكذا ينبغي أن يُصاغ القانون في بضعة سطور أو في نصف صفحة على الأكثر، وما دونها فينبغي أن يقتصر على الإجراءات الإدارية التي تكفل عدم مخالفة صناعة العمل الفني لهذه المبادئ المهنية، بدءًا من صياغة السيناريو، حتى إخراج العمل في صورته النهائية. أما الإجراءات الإدارية الأخرى من قبيل استيفاء المستندات والاستمارات ودفع الرسوم المقررة في كل خطوة، فهذا شأن الموظفين من غير المختصين بشئون الفن. وهكذا يمكننا اختزال قانون الرقابة على المصنفات الفنية في صفحتين أو ثلاث؛ لأن الأصل في الفن هو الحرية والخيال الطليق؛ ومن ثم لا ينبغي محاولة كبح جماحه إلا إذا جار الفن على قيم إنسانية عامة أخرى؛ ذلك أن العمل الفني الرفيع يبقى دائمًا منطويًا على معانٍ وقيم إنسانية عليا. ولذلك كله أرى أن هيئة الرقابة على المصنفات الفنية ينبغي إعادة هيكلتها بدءًا من اسمها، بحيث يصبح اسمها «هيئة حقوق الإبداع والملكية الفكرية» (مع تفعيل قانون حماية حقوق الملكية الفكرية)؛ لأن الأصل هو حماية الفن والإبداع، لا الرقابة عليه ومحاصرته.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *