مصطفى الفقى.. المصارحة فى تأمل الذات

إننى أتحدث عن مصطفى الفقى باعتباره مفكرًا استطاع الجمع بين الفكر السياسى والممارسة السياسية أو الدبلوماسية دونما تعارض، بل فى حالة تعايش وتخصيب متبادل بين هذين المجالين.

 

الصورة الذهنية الشائعة عن مصطفى الفقى لدى أغلب الناس هى أنه رجل السياسة، ذلك الدبلوماسى الشهير الذى مارس العمل السياسى على الأرض، وترقى فى المناصب السياسة فى الداخل والخارج إلى أن عمل مستشارًا لمبارك لشئون المعلومات. لكن هذه الصورة منقوصة تمامًا؛ لأنها غافلة عن أن مصطفى الفقى هو أيضًا ذلك المفكر السياسى المهموم بقضايا العروبة، وبقضايا وطنه الخاص، وبقضايا الفكر الأكثر عمومية.

بل إن من يتعرف على إنتاجه الفكرى، سوف يلحظ على الفور- حتى من عناوين كتاباته- أنه يتميز بطابع خاص ينأى قدر الإمكان عن التنظير الأكاديمى، ويميل إلى تأمل الواقع السياسى والاجتماعى بحكم الممارسة العملية، مثلما يميل إلى لغة التصوير الأدبى بحكم ميوله الفنية والأدبية منذ الصبا.

وربما تكون مذكراته بعنوان «الرواية: رحلة الزمان والمكان» جامعة لمسار حياته الفكرية والعملية؛ وربما تكون كلمة «الرواية» الواردة هنا موحية بالتوجه الأدبى فى سرد الحكايات السياسية المليئة بالتأملات الفكرية، وهى حكايات بدأت من سنوات التكوين الأولى حتى رئاسة مكتبة الإسكندرية، وفيما بين ذلك حكايات فيض من الحكايات التى تتعلق بعمله دبلوماسيًّا فى الهند وأوروبا، والعمل فى الرئاسة المصرية فى عهد الرئيس الأسبق حسنى مبارك.

استطاع مصطفى الفقى أن يرسم باحترافية صورة تعبر عن فكره السياسى وشخصه ومسار حياته، بل تعبر عن رؤيته للحياة الاجتماعية فى مصر والعالم العربى، وفى العوالم الأخري؛ وهو فى مسلكه هذا يتأمل خبراته التى عايشها لينقلها لنا: ولا يُنبئك مثل خبير. ولهذا فإننا نجد أنه يستخدم-على سبيل المثال- عنوانًا لأحد فصول مذكراته، وهو «دبلوماسى فى بلاد العجائب والغرائب»، ليشير بذلك العنوان إلى العالم الاجتماعى للهند بمعناه الواسع.

يمكن للقارئ أن يتعرف على شيء من شخصية مصطفى الفقى وأسلوب توجهه الفكرى حينما يطالع مذكراته، خاصةً الفصل الأول منها بعنوان «سنوات النشأة من القرية إلى الجامعة»؛ إذ يمكن للقارئ أن يتعرف هنا على سنوات التلمذة الأولى حتى المرحلة الجامعية التى مارس فيها العمل السياسى المبكر من خلال انضمامه إلى التنظيم الطليعى ومنظمة الشباب العربى الاشتراكى. ولكننا نلاحظ فى رواية أو سرد تلك المرحلة أن مصطفى الفقي- فى نوع من المُكاشفة أو المصارحة فى تأمل الذات لنفسها- لم يكن راضيًا عن ذلك التوجه الذى سار فيه فى البداية؛ إذ إنه كما يصرح: لم يكن يحب الانتماء إلى التنظيمات السرية والأجهزة السرية، وإنما إلى الحياة السياسية العامة التى تتجاوز التنظيمات السياسية.

وهذا يبين لنا أن التوجه الفكرى ظل حاضرًا فى تكوين شخصيته؛ ومن هنا يمكن أن نفهم السبب فى أنه منذ باكورة شبابه كان معجبًا بالحقبة الليبرالية فيما بين سنتى 1919 و1952، على الرغم من إعجابه بالرئيس الراحل جمال عبدالناصر فيما بعد؛ إذ ظل الفكر الليبرالى وما يستتبعه قابعًا فى عمق تكوينه الفكرى.

غير أن من يتعرف على شخص مصطفى الفقى، يمكن أن يتعرف على أشياء أخرى عديدة لا يمكن أن يُدركها من خلال القراءة، ومنها: تواضعه الجم وبساطة مسلكه فيما يتعلق بتعامله مع عموم الناس، وفى ميله إلى الدعابة وعدم الاستعلاء على الآخرين، وفى تقديره واحتفائه بغيره من الناس متى تعرف عليهم، وإن كانوا أقل منه مكانةً وشهرةً، وهذا أمر من النادر أن نجده بين من يجمعون المكانة والشهرة إلى العلم والمعرفة.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *