اسم الكتاب: تجلّي الجميل ومقالات أخرى
المؤلف: هانس-جيورج جادامر
المحرر: روبرت برناسكوني
المترجم: د. سعيد توفيق
الناشر: المشروع القومي للترجمة – المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة
سنة النشر: 1997
ماذا يعني أن نقول عن عمل فني إنه «جميل»؟ وهل الجمال صفة موجودة في العمل نفسه، أم أنه تجربة تحدث للإنسان حين يلتقي بالعمل الفني؟ من هذا السؤال ينطلق الفيلسوف الألماني هانس-غيورغ غادامير في كتابه «تجلّي الجميل ومقالات أخرى»، الذي نقله إلى العربية وقدم له دراسة وشرحًا الدكتور سعيد توفيق.
لا يتعامل جادامير مع الجمال بوصفه موضوعًا منفصلًا يمكن عزله داخل نظرية في الفن، بل يحاول أن يستعيد للفن صلته بالحياة الإنسانية. فالعمل الفني، في تصوره، ليس مجرد شيء نتأمله من الخارج ثم نصدر عليه حكمًا جماليًا، وإنما تجربة تنفتح فيها أمام الإنسان معانٍ تتصل بالعالم الذي يعيش فيه وبالتاريخ والذاكرة واللغة والثقافة.
ومن هنا تأتي أهمية العنوان نفسه: «تجلّي الجميل». فالجمال عند جادامير ليس مجرد «شكل جميل»، بل شيء يتجلى ويظهر وينكشف في تجربة الإنسان مع الفن. ولهذا يعيد التفكير في مفاهيم مثل اللعب، والرمز، والاحتفال، والمحاكاة، والأسطورة، والخبرة الدينية؛ وهي كلها، في نظره، أشكال ارتبط بها الفن قديمًا قبل أن يصبح الوعي الجمالي الحديث أكثر ميلًا إلى عزل العمل الفني عن الحياة.
ويكشف الكتاب عن أحد أهم الأسئلة التي تشغل فلسفة جادامير: ماذا خسر الفن حين أصبح يُنظر إليه باعتباره مجالًا مستقلًا، منفصلًا عن بقية أشكال التجربة الإنسانية؟ فجادامير ينتقد ما يسميه الوعي الجمالي الاغترابي؛ ذلك الوعي الذي يحول العمل الفني إلى موضوع منفصل يقف أمامه المتلقي بوصفه «مشاهدًا» فقط. في المقابل، يقترح فهمًا يجعل التلقي نفسه تجربة مشاركة وتأويل وفهم.
وهنا تتصل فلسفة الجمال بفلسفته الأوسع في التأويل. ففهم العمل الفني ليس عملية استخراج لمعنى ثابت ومغلق، وإنما حوار بين العمل والمتلقي والتاريخ والسياق. ولهذا تبدو مقالات الكتاب تطبيقًا حيًا لما طوره جادامير في مشروعه الفلسفي الكبير، ولا سيما في كتابه الشهير «الحقيقة والمنهج»؛ إذ ينتقل من بناء النظرية التأويلية إلى اختبارها في الفن والشعر والمسرح والأسطورة وغيرها من مجالات التجربة الإنسانية.
أما إضافة د. سعيد توفيق، فلا تقف عند حدود النقل اللغوي؛ فعنوان الكتاب العربي نفسه يعلن عن ثلاثة مستويات للعمل: «ترجمة ودراسة وشرح». وهو ما يجعل القارئ العربي لا يتلقى نص جادامير مجردًا، وإنما يدخل إليه عبر جهد تمهيدي يساعد على فهم مفاهيمه ومصطلحاته وسياقه الفلسفي. وقد ظل هذا العمل حاضرًا في الدراسات العربية التي تتناول فلسفة الفن والتأويل، ويُستشهد به بوصفه أحد المراجع العربية المهمة في هذا المجال.
لهذا يمكن قراءة «تجلّي الجميل» اليوم لا باعتباره كتابًا عن تاريخ فلسفة الجمال فحسب، وإنما بوصفه محاولة للإجابة عن سؤال لا يزال حاضرًا: هل يستطيع الفن أن يكون أكثر من مجرد شيء جميل نراه؟ إجابة جادامير هي أن الفن، في أعمق مستوياته، تجربة تكشف لنا شيئًا عن أنفسنا وعن العالم الذي ننتمي إليه؛ وأن الجميل لا يكتمل بمجرد النظر إليه، بل يبدأ حين يدخل في حوار مع وجودنا الإنساني.


لا تعليق