كريم الصياد
1-الطبيعة المقارنة لهذه السيرة
تنوعت أشكال السيرة الذاتية؛ من الشكل التقليدي السردي-التتابعي، الذي يوحِّد بين الراوي، وبطل روايته (كـ”سيرة حياتي” لعبد الرحمن بدوي)، إلى الاعترافات التي تعتمد على خبرة الصدق مع الذات والآخَر (كاعترافات أوغسطين وجان جاك روسو)، إلى شكل القصة التي لا يحدد فيها الكاتب موقعه بوضوح بين الشخصيات أو ما يعرف بالأدب الذاتي autofiction (مثل “وداعًا للسلاح” A Farewell to Arms لأرنست همنجواي، إلى الوقوف فحسب على أهم محطات تكوين الذات (مثل “أوائل زيارات الدهشة لعفيفي مطر)، أو السيرة الذاتية الجزئية، التي يروي فيها كاتبها جانبا محددًا من سيرته في مجال بعينه (مثل “حياتي في الشعر” لصلاح عبد الصبور)، إلى أشكال أخرى مبتكرة كالأحلام مثلاً في “أحلام فترة النقاهة” لنجيب محفوظ، وحتى التصنيف الفلسفي لمستويات السيرة الشخصية مثل مستوى النفس في “قصة نفس”، ومستوى العقل في “قصة عقل” لزكي نجيب محمود، وغيرها.
وتبين المقارنةُ الخاصيةَ المميزة للخاطرات؛ فهي بين كل هذه الأشكال المتنوعة تكشف عن جانب مختلف، لا تتعرض له الأشكال السابقة بوضوح، ومباشرة. الخاطرات سيرة لجدل الوجود من جهة، والماهية من جهة أخرى، جدل الخبرة المباشرة بالأشياء، وتصوراتنا عنها، والمفاهيم التي نبلورها من خلال تلك الخبرة، وصراع الإدراك والواقع. إن “سيرة حياتي” لعبد الرحمن بدوي مثلاً، برغم أنها بقلم فيلسوف وجودي، حاول أن يكون له مذهبه الخاص في الوجودية، وتتلمذ على كتابات هيدجر، فهي سرد تتابعي، يتخذ شكل الرواية الخالصة، التي يتوحد فيها –كما قلنا- كاتبها مع بطلها الأساسي.
أما “الخاطرات” فهي شكل بين السرد والكتاب النظري، ومع ذلك فهي ليست طرحًا نظريًا ولو حتى في بعض فصولها كما قد يتبادر إلى الذهن. وهي كذلك ليست سردًا تتابعيًا يتبع تسلسل الزمن الطبيعي. وهي ليست اعترافات، برغم أهمية دور “الإفصاح” في كثير من أجزائها.
وهي ليست سيرة تفصِل فصلاً حادًا بين ما هو عقل، وما هو عاطفة أو انفعال، كما قدم لنا زكي نجيب محمود. وهي ليست سيرة يحاول فيها كاتبها التخفي خلف قناع شخصية روائية، أو تحاول فيها أحداثها الظهور كتجليات الأحلام، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فمن الصعب تصنيفها أدبيًا؛ ككتاب، أو قصة طويلة، أي يصعب تحديد موقعها بين الطرح النظري من ناحية، وبين الدراما من ناحية أخرى، فلا يمكن في سياقها فهم أحداثها إلا بالعودة إلى المفاهيم المحورية، التي مارست دورها كمحرك Beweggrund في حياة كاتبها، وفي أحداثها بالتالي، كما لا يمكن بلورة مفاهيمها تلك إلا من خلال الأحداث والخبرات النفسية.
وعند هذا الحد يظهر سؤالان: الأول هو ما يتعلق بطبيعتها كسيرة ذاتية، والثاني بشأن تصنيفها بين أشكال النص. بالنسبة للسؤال الأول فهي تختلف عن الأمثلة السابقة من أشكال السيرة الذاتية في كونها بلورة حية، ديناميكية، للمفاهيم، فكل من زكي نجيب وبدوي -على سبيل المثال- لم يحاول تكوين مفاهيم محددة، وتصورات متبلورة، من مادة الخبرة المباشرة لسيرته.
وفيما يتعلق بزكي نجيب فالسؤال ليس مطروحًا؛ فهو لا يستعمل منهجًا يسمح بخلق تصورات مكتملة، أو شبه مكتملة، من خلال الخبرة الحية، ولكن يبدو أن عبد الرحمن بدوي قد فصل بين فلسفته وبين سيرته، ولو مرحليًا، أو بالأحرى بين منهجه وبين شخصه. ما يمنح “الخاطرات” تميزها من هذه الزاوية ليس توحد الراوي والبطل، بل توحد المنهج والرواية. وهو ما يرتبط ببحثنا عن إجابة السؤال الثاني.
فكيف نصنف هذه السيرة كنصّ؟ هل هي رواية؟ هل هي كتاب أم مجموعة مقالات؟ هل هي شعر في بعض أجزائها؟ هل تمتزج ببعض الكتابات النقدية عن الموسيقى والشعر والتشكيل؟ هل تتمتع ببعض من خواصّ أدب الرحلات؟ والواقع أن صعوبة الإجابة تنبع من خطأ في السؤال. الخاطرات ليست “نصًا” بالمعنى المفهوم من كلمة نص، مهما اتسع فهمنا له.
“الخاطرات” “كتابة”. هي “كتابة” بمعنى أنها “ممارسة” فعلية، حية، تجري أمامنا؛ بهدف إعادة تخليق الذات. وهي ممارسة وجودية بهذا المعنى، تستعمل الفينومينولوجيا لإعادة خلق العالَم، من أجل إعادة خلق المتعوْلِم بالعالَم. وكما سنرى في الختام: فهي كذلك محاولة في تطوير مفاهيم أساسية في فلسفة الوجود، تعتبَر تجاوزًا حيًا مباشرًا لهيدجر، ليس عبر كتابة نظرية صرفة، فهيدجر نفسه استعمَل لغة حوشية، وتعبيرات وحشية، يجد حتى الألمان المتخصصون صعوبة في التغلب على وعورتها، بل و”بدائيتها” في بعض المواضع، بما هي لغة “بدوية” في آذان الألمان حاليًا، ووقت كتابتها، قصد بها هيدجر إلى إنجاز لغة خاصة به، قبل-سقراطية، تشتق المفاهيم، والتصورات، من الخبرة المباشرة باللغة من جهة، وبالأشياء من جهة أخرى، كما سبقه إلى ذلك نيتشه، وكما سبقهما إلى ذلك فلاسفة ما قبل سقراط كهيراقليطس، وإنبادوقليس، وبارمنيدس، وكما أنشأ الأدباءُ، الذين كتب عنهم كل من هيدجر وسعيد توفيق، مثل هولدرلن، وريلكه، وإشتيفان جيورجه، وجيورج تراكل، وجمال الغيطاني، وحسن طلب.
والفارق بين “كتابة” توفيق من جهة، وكتابة هيدجر من جهة أخرى هو ارتكان هيدجر على التفاعل الحي، الإبداعي، الشعري مع اللغة بشكل أساسي، في حين ترتكز كتابة توفيق على استثمار الدراما الشخصية، والجمعية، من أجل خلق هذه الازدواجية؛ بحيث يحيل العنصر السردي طيلة الوقت إلى العنصر النظري، التتابعي إلى التزامني، والتاريخي إلى البنيوي، بطول العمل، وبشكل يصعب فصله إلا على مستوى التحليل من أجل الفهم.
و”الخاطرات” ليست مجرد خواطر تطرأ على ذهن الكاتب، وهو يتأمل المراحل الأساسية لمسيرته، بل هي كذلك خواطر وجودية في العالَم، بمعنى كونها ما يطرأ على العالَم نفسه من تحولات، قد تبدو غير مترابطة، أو أننا نحن من يمنحها المعنَى.
“الخواطر” جمع تكسير، وهو ما لم يسلم مفرده من التغيير، وهي أدلّ في الاستعمال العربي على غير العاقل، أما “الخاطرات” بجمع المؤنث السالم فهي أقرب إلى التشخيص، وإلى احتمال المعنَى في ذاتها، وإلى تصورها مجازًا كحاملات لوحي من نوع خاص، لا ينفصل عن الخبرة المعيشة.
قد يكون تأثرًا “بالعبرات” و”النظرات” للمنفلوطي، ولكن لكل تأثر دوافعَ ومحركات. “الخاطرة” هي ما يخطر بالقلب من شعور أو معنَى حسب المعاجم العربية، وهي جذر “الخَطَر” و”المخاطَرة”. هي تحمل معنيَي “الظهور المفاجئ” و”الإشراف على الهلاك”. هي سيرة الظهور والهلاك. وكما سنتطرق فيما يلي: فهي تبدأ فعلاً بظهور الوعي في العالَم، في المجتمع، والطبيعة، والفن، والفلسفة، وعبر رحلة طويلة مركبة تصل في النهاية إلى السؤال عن الموت، وما بعده.
“الخاطرات” حاملات الوحي والموت معًا، تنزل من سماءٍ ما بالحكمة والحتف في آنٍ، “كالفالكيرات” die Walküren في أساطير الشمال، التي استوحي منها فاجنر –صديق نيتشه المغضوب عليه- أوبرا كاملة بالعنوان المفرد die Walküre.
ولأن الخاطرات “ظهور” من جهة، و”معنَى” و”وحي” من جهة أخرى، سينقسم المقال فيما يلي إلى تحليل هذه الكتابة على محورين: الزمان، ثم المكان، يليه جمع المحورين، وتكوين الشكل النهائي للخاطرات.
2-محور الزمان
هو المستوى التتابعي من الخاطرات. وهي تبدأ بانبلاج الوعي كإشراق مباشر، لا تنفضّ في مراحل أوّلية “كظاهريات الروح” لهيجل، بل بفَجْر كامل مفاجئ، على طريقة هوسرل والظاهرياتيين. وهي تبدأ بالبصر أكثر من السمع، بلوحات رينولدز (ص 25-26)، بـ”الإحساس بالعالم الخارجي” ص 21، بأحلام الطفولة، ودهشتها، وعبقريتها، بالوجود المباغت في “جنة عدن” ص 21، بإشعاع الضوء من الطفولة نفسها (ص 27).
تبدأ بالطبيعة: قبة السماء، القمر، النجوم (ص 30-31)، ثم تنتقل إلى الروائح (ص 32)، التي لا تعلق في الذاكرة البشرية بطبيعتها، ولا يمكن تخيلها، لكن الكاتب يتذكر وقعها نفسه، كما يتذكر وقع كل ذلك، ويحاول استخلاص ما به من معنى، وما كان له من أثر عميق على تكوين الذات في المراحل المبكرة.
ونلاحظ هنا التركيز على نقطة البداية، مرحلة الطفولة، بما هي فردوس. والفردوس بما هو فردوس دائمًا مفقود.
ولكل منا فردوسه المفقود، الذي هو مكوّن أساسي من مكونات وعينا ومحرِّك لنشاطنا الخالق للذات. ولكن “الحياة قصيرة، لكن الحقيقة لها تأثير بعيد وعمر مديد” كما يقول الاستهلال المقتبس من شوبنهور. صحيح أن الفردوس مفقود، ولكن ما يبقى منه، وما يبقى من الحياة، هو المعنَى، وهو ما كشفته الذات من الحقيقة. هذا الصراع بين المتزمن والأبدي هو ما يبدأ به الكتاب. هو الصراع نفسه بين الفقْد وبين الوَجْد، بالمعاني الوجودية، لا الصوفية.
على هذا المحور نجد هذه السيرة كلها موسيقى، تنتقل بنا من الفردوس (الطفولة، والشباب الحضاري لمصر)، إلى فقد الفردوس (العدمية، والضياع ما بعد الحداثي، وابتذال الشعر، والأغنية، وفساد الوسطين الجامعي، والثقافي)، ثم إلى التوق إلى الفردوس والخلود (القرآن، وتجربة الإيمان، والرفق بالموت) فالكاتب لا يتعامل مع الموت كشر خالص، وإنما كمرحلة ضرورية لاكتمال الكينونة. وهي محطات ثلاث رئيسة: الوجود المتوتر القلِق، العدم، التوق إلى الوجود الدائم. تعاني الذات الإنسانية، الدازين من مركب الوجود/العدم بوصفها موجودًا واعيًا بوجوده-نحو-الموت، ثم تعاني فكرة العدم، ثم تتوق إلى الوجود الدائم الألوهي، الخالد.
إنها تراقب كينونتها المحدودة، من وجودها الأول البريء، إلى نظرتها إلى شجرة الخلد، وتعاني خبرة الموت-القادم لا محالة، ثم تقرر الأكل من الشجرة في النهاية، في فصول عن الموت، والمقبرة، والتساؤل عن البقاء، والخبرة الدينية-الروحية، والاندماج النصي-الوجودي بآيات القرآن. إنها كلها قصة الأكل من شجرة الخلد، ولكن الوصول إلى الثمرة لا يتم إلا بمعرفة الشجرة: التأمل الانعكاسي، بلورة المفاهيم، التأمل في الكينونة، وتحولاتها.
وعلى محور الزمان نراقب هذه الحركة كموسيقى؛ فهي تبدأ متهادية، (ترانيم الليل)، كحركة أولى بطيئة من سيمفونية ذات ثلاث حركات، كسيمفونيات هادين وموتسارت المبكرة، يتصارع فيها لحنان على صيغة صوناتا: الأول مستقر، مسيطر، بريء (لوحات البراءة لرينولدز)، والثاني متمرد شابّ (عبقرية الطفولة)، يغلب التمرد في النهاية، وتنتهي الحركة الأولى بالانتصار: (صعود الأستاذ الجامعي، صاحب المؤلفات الهامة، صاحب المدرسة، المثقف المنهمّ بقضايا الفكر والحاضر).
أما الحركة الثانية فهي الصراع الأساسي، حطام حضاري Ruinanz، وفردي، نقد حادّ للثقافة، للأغنية، وللموسيقى، وللوسط الثقافي، والإعلامي، وتنتهي بحال الاغتراب الرقمي، والاجتماعي بصفة عامة. وتأتي الحركة الأخيرة كحل نهائي، والنهاية بالنسبة للموجود البشري هي الموت، كما أشار سارتر بالنسبة لشوبرت في ثامنته الناقصة، ومِن ثَمّ الخلود، وتنتهي السيمفونية نهاية خاشعة، كختام سورة قرآنية، في مشهد لآية قدسية منحوتة على شاهد القبر.
الموسيقى فن زماني، يتلاشى كلما وُجِدَ، وكلما أدركناه، ويبقى محله الأساسي هو الذاكرة. الموسيقى من زاوية معينة ذاكرة، بما هي متراكمة في الإدراك، ومتلاشية في الزمان. إنها تنقشع كلما أبصرناها، كغيمة رقيقة، تمامًا كسيرتنا الشخصية، فهي ذكرى، وهي تتغير كلما استعدناها، ولكما حاولنا نظمها في خيط محدد شامل. كذلك “الخاطرات”: هي محاولة لإعادة نظم الذكرى بعد تهافتها في الزمان، إنها عكس التهافت، وعكس تهافت التهافت. وبما أن النظم عكس التهافت، فهي نظم المتهافِت، ونظم النظم نفسه.
3-محور المكان
الزمان موسيقى، والمكان شِعر. والفن التشكيلي تجلٍّ من تجليات المكان. والغريب أن الخاطرات تبدأ بمكان غير معتاد، ليس بيت الأسرة، ولا الطبيعة، بل لوحات البراءة لرينولدز. وكأن “الطبيعة تقلد الفنان”، كما قال أوسكار وايلد ذات مرة في “اضمحلال الكذب” The Decay of Lying-1889! عكس مبدأ أرسطو الأساسي في فلسفة الأخير في الفن.
بل وكأن الأنا تتعرف العالَمَ من عدسة الفن، عدسة اللوحة الفنية، أي مِن منظور المكان. وهو ما يتسق مع الملاحظة السابقة: أن الوعي يبدأ كإشراق ظاهراتي، لا كديالكتيك هيجلي؛ فالمكان إشراق، والزمان ديالكتيك.
الوعي بالمكان في “الخاطرات” ثالوث؛ اللوحة الفنية، والبيت، والطبيعة. وهي مراحل، تفضي كل منها تلقائيًا، في سياق حياة توفيق، إلى التالية عليها. يفتح الطفل عينيه على لوحات البراءة، ثم يتأمل لوحات البيت، في إطار مفهوم “البيتوتة”، ثم يخرج إلى الطبيعة المفتوحة. وهو فاتح للطبيعة؛ فهو صيّاد، وصنع لنفسه يختًا للصيد، وغامر بالغور في أعالي البحار، وقنصَ وحوشَ البحرِ، وعرائسَه.
وهو بحري، كما هو برّي؛ فهو يعنى بحديقته، ويتعرف على عامل الحديقة، كأنه جزء من الحديقة، ومن الطبيعة.
إن ثالوث الوعي بالمكان: التشكيل، والبيتوتة، والطبيعة، مراحل مختلفة، لكنها تتكامل كذلك فيما بينها؛ فالكاتب يتأمل العالَم كلوحة فنية، من منظور جمالي، لا يحيد عنه، يضع الطبيعة في منظور التشكيل. أما البيتوتة فتبقى حالة فِردَوْسية مفقودة، هي الروح القدس للثالوث، يحاول توفيق بلوغها في الحياة، والموت، وأمنيات الخلود.
وبالتأكيد ينظر توفيق إلى الطبيعة من منظور رومانسي. ويعني أن الكينونة لا تتعامل بشكل نفعي مع الطبيعة، بل بشكل مختلف، يتجاوز المفاهيم المجردة عن الطبيعة، والتصورات اليومية-البراجماتية السائدة عنها، كليهما. فهو يقتبس من شوبنهور، كما في التصدير نفسه، وهيدجر أحيانًا، وينقد التكنولوجيا من جهة حال الاغتراب الرقمي، والانفصال بدلاً من التواصل.
باختصار هي محاولة النفاذ إلى حقائق الأشياء من خلال التصورات العميقة عنها في غور الوعي البشري من خلال خبرة معيشة بها، وليس مجرد استعمالها.
والمتأمِّل في قائمة الأماكن الواردة في “الخاطرات” بمنهج تحليل المضمون قد يجد فيها معنًى؛ فهي كما قلنا تبدأ باللوحة، ثم بمشاهد البيت، ثم تأتي مشاهد الطبيعة الأكثر ورودًا في “الخاطرات”. الطبيعة، وعجائبها، وجمالها، وتناقضاتها، وجبروتها، هي ما يسيطر على الوعي المكاني لدى توفيق، وكأن المكان هو الطبيعة، أو كأن الطبيعة مكان.
فإذا كان المكان هو الطبيعة، فالأنا إذن جزء من الطبيعة، وهي نظرة بيولوجية عرِفَ بها شوبنهور ونيتشه، وهما منتظمان في الخط الرومانسي، الذي ينتظم فيه كذلك توفيق. أما إذا كانت الطبيعة مكان، فهذا يفتح الباب لأسئلة محيرة: فما الزمان إذن؟ وهل هو مجرد تتابع مكاني كما افترضَ منكوفسكي Minkowski ؟ وكيف يتبدل فهمنا عن الطبيعة، إذا افترضنا أنها مكان؟ ومكان لماذا؟ ما أو مَن المتمكِّن فيه؟
ولكن رجوعًا إلى تحليل المضمون: فآخر الأماكن الواردة هي الحديقة ثم المقبرة. الحديقة: وكأن الأنا تحنّ إلى بدايتها البيتوتية، أو الحديقة بمعنى الجنَّة، والفردوس، فـ(أدهم)، بطل “أولاد حارتنا” لنجيب محفوظ، ظل طيلة حياته يحنّ إلى “الحديقة”.
وتلي الحديقة: المقبرة، فهي آخر مكان في “الخاطرات”. فالأنا تتطلع إلى العدم، كما جاءت من العدم، لكنها –كما سيلي تفصيله- تستشرف ما وراء العدم من وجود لا محدود. العدم في وحي “الخاطرات” مجرد مرحلة؛ فالعالَم، المكان، في الخاطرات مُرَكَّب في دوائر: من البيت إلى البيت، من الحديقة إلى الحديقة، من لا شيء إلى لا شيء، ومن الوجود المحدود إلى الوجود اللا متناهي.
4-التقاء المحورينِ
يلتقي محورا الزمان والمكان، الموسيقى والشعر، في أغنية طويلة (ص 209 موسيقى موريكوني لفيلم الطيب والشرير والقبيح، التي يلتقي فيها المكان مع الزمان متراكبين في دقة تامة)، هي كل السيرة، التي تتكئ على الفلسفة، والفن، على المعرفة، تمكينًا للذات من مَدّ الأرض، وإلقاء الرواسي، صعودًا إلى شجرة الخلد؛ فالسيرة كلها أغنية متعددة المقاطع، وفيها فواصل موسيقية-زمانية طويلة أحيانًا، ولها مقدمة موسيقية (طفولة، وجنات عدْنٍ مفقودة)، وتتمتع بوحدة عضوية؛ فنهايتها عود على بدء: عودة إلى الفردوس الرأسي (السماوي)، بدلاً من استحالة العود إلى الفردوس الأفقي (الطفولة، وشباب مصر، والعروبة). ولحنها الأساسي هو: الحنين، الذي يتكرر صراحة في كثير من المواضع، وضمنًا في مواضع أخرى (حميمية البيت)، و(الوداع)، و(الاشتياق)، و(الفوات)، و(الفقد). والفقد هو الوجه الآخَر لعملة الحنين؛ فكل حنين إلى الماضي فقدٌ لجزء من الذات.
يلتقي المحوران في النهاية في تجربة الخِلوة، والعزلة، لا بهدف الإبداع فقط، بل بهدف تكثيف الوجود، الأقرب إلى الخلود، بهدف الصعود. إنها بلورة للكينونة، كي لا تذوب في الآخَرينَ، من أجل أن تحقق وجودها الأصيل، ولكنها تجربة وجودية، تتجاوز مجرد الوجود الأصيل Eigentlichkeit، للدازين Dasein نحو الوجود المعتِم التامّ، الألوهي في الختام Das Sein. ختام الأغنية هو الطريق إلى الآخرة، “وماذا يبقى منّي؟” ختامها جملة في صيغة سؤال لا تلتقي بصيغة الجواب.
وهي الإضافة الفلسفية الأكثر أهمية، من الإضافات التي يطورها الكتاب؛ فالوجود الإنساني كينونة-نحو-الموت بطبيعتها، لكنها كذلك كينونة-من أجل-الخلود. والفرق بين “نحو” من جهة، وبين “من أجل” من جهة أخرى أن الأولى تفيد الحركة التلقائية، أو الإجبارية، أما الثانية فتفيد الإرادة. “نحو-الموت” الهيدجري طبيعة، و”من أجل- الخلود” عند توفيق إرادة. ومن هنا نجد –في نهاية القراءة- أن الكاتب أقرب إلى شوبنهور في حياته، منه إلى هيدجر، وأقرب إلى هيدجر في فكره، منه إلى شوبنهور.
يصادق توفيق عامل الحديقة-الجنة؛ فهو في لاميتافيزيقاه رضوان، أو أحد الملائكة، كما يصاحب عامل المقبرة، ملاك الموت، أو الموت نفسه، إذا كان له جسد. فكما يرغَم الإنسانُ على التوافق مع الحياة، فعليه التصالح مع الموت. إنه الحل، كما يراه توفيق، للخروج من دائرة القلق الوجودي.
الإنسان في سفر تكوين “الخاطرات” لم يزل يسعَى إلى شجرة الخلد، حتى بعد سقوطه في الأرض. فالأرض –عند توفيق- ليست لعنة، بل هي الخبرة الأساسية في الحياة، وهي المكان، وهي محطات تكوين الذات. إنه سفر تكوين رومانسي، يبدل العلاقة بين السماء والأرض، ويرسمهما على خط أفقي واحد، فكل منهما خبرة، وتكوين.
كريم الصياد، القاهرة، 30-12-2019


لا تعليق