قراءة فى الموقف العُمانى من أزمات المنطقة فى زمن الاستقطاب

الدكتور سعيد توفيق أستاذ علم الجمال

الدكتور سعيد توفيق أستاذ علم الجمال


تدرك سلطنة عُمان أن للمواقف السياسية المستقلة ثمنا، وسياستها تقوم على قناعة راسخة بأن السياسة ليست اصطفافا أعمى مع طرف ضد آخر، وإنما مسؤولية وطنية وأخلاقية تستوجب حماية مصالح الدولة وصون أمنها واستقرارها، والإسهام فى تجنيب المنطقة والعالم مزيدا من الصراعات.

ومنذ أن اختارت عُمان سياسة عدم الانحياز إلى أطراف الصراعات، لم يكن هدفها تسجيل موقف تاريخى أو اكتساب حضور دبلوماسى فحسب، بل انطلقت من إدراك استراتيجى بأن اتساع دائرة الحروب سيطال أمنها واستقرارها، خصوصا فى ظل قرب بؤر التوتر من أراضيها، وتشابك المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية فى المنطقة.

فالموقف العُمانى من القضية الفلسطينية، والأزمة اليمنية، والحرب التى شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، تحكمه رؤية ترى أن استمرار النزاعات لا يهدد أمن الدول المعنية وحدها، بل ينعكس على الاستقرار الإقليمى والاقتصاد العالمى وأمن الطاقة والممرات البحرية والتجارة الدولية، فضلا عن تداعياته على مصداقية النظام الدولى وقدرته على إنفاذ قواعد القانون الدولى.

القضية الفلسطينيةتنظر سلطنة عُمان إلى القضية الفلسطينية باعتبارها قضية عربية مركزية، ترتبط بالعدالة والحقوق المشروعة للشعب الفلسطينى وبالأمن القومى العربى واستقرار المنطقة. ومن هذا المنطلق، أكدت السلطنة ضرورة إنهاء الاحتلال، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، والاحتكام إلى قرارات الشرعية الدولية.

وقد حذرت عُمان مرارا من أن استمرار الاحتلال، وتراجع فرص التسوية السياسية، وتصاعد خطاب التطرف، لن يؤدى إلا إلى إعادة إنتاج دوائر العنف والصراع فى صور أكثر تعقيدا وكلفة. ولم يكن إيمان عُمان بالسلام موقفا نظريا؛ فقد أيدت الجهود التى استهدفت إنهاء الصراع العربى الإسرائيلى، ورأت فى اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية فرصة كان يمكن البناء عليها للوصول إلى تسوية أشمل.

ودعمت سلطنة عمان مخرجات مؤتمر مدريد وما تلاه من مبادرات لتعزيز فرص السلام فى المنطقة. غير أن مسار التسوية تعثر، وتعاقبت فى إسرائيل حكومات وقوى سياسية تبنت مواقف متعنتة تجاه إقامة دولة فلسطينية مستقلة، فتراجعت فرص الحل السياسى واستمرت معاناة الفلسطينيين. ولذلك ترى السياسة العُمانية أن هجوم السابع من أكتوبر الذى شنته حماس لا يمكن النظر إليه بمعزل عن تجاهل عقود من الاحتلال والحصار والتهجير والمعاناة الإنسانية، ولا ينبغى اتخاذه مبررًا للعقاب الجماعى للفلسطينيين أو انتهاك القانون الدولى الإنسانى.

إن السلام الذى تتطلع إليه عُمان ليس مجرد وقف مؤقت لإطلاق النار، بل تسوية عادلة تعالج جذور الصراع وتحفظ الحقوق المشروعة للشعب الفلسطينى، وتضع حدا للاحتلال، وتمنح شعوب المنطقة فرصة العيش بأمن وكرامة.اليمن.. حين يصبح الحوار ضرورة وطنيةفى الأزمة اليمنية، اختارت سلطنة عُمان الطريق الدبلوماسى، وتمسكت بأن الحل السياسى والحوار بين اليمنيين يمثلان الخيار الأكثر استدامة لإنهاء الصراع.

لم يكن هذا الخيار تجاهلا لتعقيدات الأزمة أو إنكارا للخلافات بين أطرافها، بل انطلق من قناعة بأن الحرب لا يمكن أن تنتج وحدها دولة مستقرة، وأن الخلافات الداخلية ينبغى أن تعالج من خلال التفاهم والشراكة الوطنية، بعيدا عن توسيع دائرة المواجه، بحيث تظل فى إطار الحوار اليمنى اليمنى، بدلا من أن تتحول البلاد إلى ساحة تتداخل فيها المصالح الإقليمية والدولية. ومن الطبيعى أن تسعى إيران، شأنها شأن قوى إقليمية أخرى، إلى حماية مصالحها وتوسيع نفوذها.

لكن السؤال الأهم يظل: لماذا تتسع المساحات أمام التدخلات الخارجية عندما تغيب المبادرات العربية الفاعلة، وتتراجع قدرة الدول العربية على معالجة خلافاتها وبناء تفاهمات مشتركة؟.موقف عُمان من حادثة مساعد الطيارفى الأيام الأخيرة، أثيرت تساؤلات إعلامية بشأن حادثة مرتبطة بمساعد طيار قيل إنه يحمل الجنسية العُمانية، وترافقت بعض التغطيات مع محاولات لربط الحادثة بعلاقة سلطنة عُمان بإيران!

إن التعامل المسؤول مع مثل هذه الحوادث يقتضى الفصل بين الوقائع المثبتة والاستنتاجات، وبين المسؤولية الفردية ومحاولات تحميل دولة بأكملها تبعات أفعال شخص يحمل جنسيتها.فالجنسية ليست دليلا على المسؤولية، والمعتقدات والممارسات الشخصية لا تشكل فى حد ذاتها برهانا على التطرف أو على ارتكاب فعل مخالف للقانون. وما يحدد المسؤولية هو الدليل، وما تكشفه التحقيقات المهنية المستقلة.

وحتى تتضح جميع ملابسات الحادثة، ينبغى الامتناع عن إصدار أحكام نهائية أو بناء استنتاجات سياسية على معلومات لم يثبت اكتمالها. ولذلك فإن المعلومات التى تم تداولها بشأن المسار المهنى السابق لمساعد الطيار، وحقيقة منعه عن ممارسة الطيران فى سلطنة عُمان، تستدعى التحقق الرسمى والتدقيق فى الإجراءات التى اتبعت لاحقا قبل عمله لدى شركة فلاى دبى، إذا ثبتت تلك المعلومات.

ومن الحماقة وسوء النية التسرع فى توظيف الحادثة لمهاجمة عُمان، أو ربطها بمواقفها السياسية وعلاقاتها الإقليمية قبل استكمال التحقيقات، فالمسؤولية عن سلامة الطيران مسؤولية مؤسسية، ولا يجوز استبدال التحقيق فى الإجراءات الفعلية بتوجيه الاتهامات السياسية إلى دولة أو شعب.عُمان.. ثبات المبادئفى مواجهة الاستقطابالسياسة العُمانية لا تقوم على إنكار اختلاف المصالح بين الدول، ولا على تجاهل المخاطر الأمنية، بل على التعامل معها من خلال رؤية متوازنة تحمى السيادة الوطنية وتفتح قنوات التواصل والحوار وتمنح الحلول السياسية فرصتها.

ومن الخطأ الاعتقاد بأن الدولة التى تختار الحوار تفتقر إلى القدرة على حماية مصالحها، أو أن الحياد يعنى التخلى عن المبادئ. فالحياد فى إدارة النزاعات لا يعنى الحياد تجاه العدالة، والوساطة لا تعنى التنازل عن السيادة، والدعوة إلى السلام لا تعنى قبول الظلم أو تجاهل الحقوق.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *